سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤١ - الباب العاشر في أسئلة المشركين رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أنواعا من الآيات و خرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى و الرشاد
يصلّي و قد غدت قريش و جلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع مهزوما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف بالحجر من يده.
و قامت إليه رجال من قريش فقالوا: ما بك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا و اللَّه ما رأيت مثل هامته و لا قصرته و لا أنيابه لفحل قط، فهمّ بي أن يأكلني.
فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): ذاك جبريل لو دنا لأخذه.
قال ابن إسحاق: و أنزل اللَّه تعالى فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال و تقطيع الأرض و بعث من مضى من آبائهم: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ نقلت بِهِ الْجِبالُ عن أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ شققت به الأرض فجعلت أنهارا و عيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بأن يحيوا و جواب لو محذوف اكتفي بمعرفة السامعين مراده و تقديره: لكان هذا القرآن أو و هم يكفرون بالرحمن و إن أجيبوا إلى سؤالهم من تسيير الجبال و تقطيع الأرض و تكليم الموتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ أي أمر خلقه جَمِيعاً فيتصرف فيهم كيف يشاء.
و أنزل أيضا: وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ التي اقترحها أهل مكة إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ لما أرسلناها فأهلكناهم و لو أرسلناها إلى هؤلاء لكذّبوا بها و استحقّوا الإهلاك، و قد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال ابن إسحاق: و أنزل اللَّه سبحانه و تعالى في قولهم: خذ لنفسك سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدّقك إلى آخره: وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً يصدّقه أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء ينفقه و لا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بستان يَأْكُلُ مِنْها أي من ثمارها فيكتفي بها و في قراءة: نأكل بالنون أي نحن فيكون له علينا مزيّة بها. وَ قالَ الظَّالِمُونَ أي الكافرون للمؤمنين إِنْ ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً مخدوعا مغلوبا على عقله قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بالمسحور و المحتاج إلى ما ينفقه و إلى ملك يقوم معه بالأمر فَضَلُّوا بذلك عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا طريقا إليه تَبارَكَ تكاثر خير الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الذي قالوا من الكنز و البستان جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً أيضا إلى قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ فأنت مثلهم في ذلك و قد قيل هم كما قد قيل لك وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً بلية ابتلي بها الغنيّ بالفقير و الصحيح