سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٧ - الباب الأول في بدء عبادة الأصنام و الإشراك بالله تعالى
و كان أول من حمل العرب على عبادة الأصنام عمرو بن لحيّ- بضم اللام و فتح الحاء المهملة و تشديد المثناة التحتية- ابن قمعة- بفتح القاف و الميم و تخفيفها- و قيل غير ذلك، ابن خندف- بكسر الخاء المعجمة و الدال المهملة و يجوز كسر الخاء و فتح الدال و آخرها فاء.
روى ابن إسحاق عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به و لا بك منه» فقال أكثم: عسى أن يضرّني شبهه يا نبي اللَّه؟ قال: «لا إنك مؤمن و هو كافر، إنه كان أول من غيّر دين إسماعيل فنصب الأوثان»
الحديث و يأتي [١].
قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحيّ خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء و بها يومئذ العماليق و هم ولد عملاق و يقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا و نستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أ فلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى العرب فيعبدونه. فأعطوه منها صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه و أمر الناس بعبادته و تعظيمه.
و روى الفاكهي عن هشام بن السائب قال: كان لعمرو بن ربيعة رئيّ من الجن فأتاه فذكر له شعرا يأمره فيه بإخراج الأصنام من ساحل جدّة فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودّا و سواعا و يغوث و يعوق و نسرا و هي الأصنام التي عبدت زمن نوح و إدريس ثم إن الطوفان طرحها هناك، فسقى عليها الرمل، فاستخرجها عمرو و خرج بها إلى تهامة و حضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب.
و قال ابن إسحاق: و يزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم و التمسوا و الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك منهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة و أعجبهم حتى خلفت الخلوف و نسوا ما كانوا عليه و استبدلوا بدين إبراهيم و إسماعيل صلى اللَّه عليهما و سلم غيره فعبدوا الأوثان و صاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات و فيهم على ذلك بقايا من
[١] أخرجه البخاري ٦/ ٦٣٢ (٣٥٢٠).