سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٠ - الباب العاشر في أسئلة المشركين رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أنواعا من الآيات و خرق العادات على وجه العناد لا على وجه الهدى و الرشاد
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل.
فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ذلك إلى اللَّه عز و جل، إن شاء أن يفعله بكم فعله.
قالوا: يا محمد فما علم ربّك أنا سنجلس معك و نسألك عما سألناك عنه و نطلب إليك ما نطلب فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به و يخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه قد بلغنا أنك إنما يعلّمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، و إنا و اللَّه لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمد، و إنا و اللَّه لا نتركك و ما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا.
و قال قائلهم: نحن نعبد الملائكة و هي بنات اللَّه. و قال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا باللَّه و الملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قام عنهم و قام معه عبد الله بن أبي أميمة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، و هو ابن عمته و هو لعاتكة بنت عبد المطلب، و أسلم بعد ذلك رضي اللَّه تعالى عنه، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من اللَّه تعالى كما تقول و يصدّقوك و يتّبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم و منزلتك من اللَّه فلم تفعل ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوّفهم به من العذاب فلم تفعل. أو كما قال له. فو اللَّه لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلّما ثم ترقى فيه و أنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي بصكّ معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول و أيم اللَّه إن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدّقك، ثم انصرف عن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و انصرف رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، لما رأى من مباعدتهم إياه.
فلما قام عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا و شتم آبائنا و تسفيه أحلامنا و شتم آلهتنا، و إني أعاهد اللَّه لأجلسنّ له غدا بحجر ما أطيق حمله.
أو كما قال. فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: و اللَّه لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينتظره، و غدا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كما كان يغدو و كان بمكة و قبلته إلى الشام، و كان إذا صلى صلى بين الركنين، الركن اليماني و الحجر الأسود، و جعل الكعبة بينه و بين الشام، فقام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)