سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٣ - ذكر خبر زيد بن عمرو بن نفيل
أعلمه إلا أن تكون حنيفا. قال زيد: و ما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديّا و لا نصرانيا و لا يعبد إلا اللَّه، فخرج فلقي عالما من النصارى. فذكر مثله. فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة اللَّه. قل: ما أفرّ إلا من لعنة اللَّه و لا أحمل من لعنته و لا من غضبه شيئا و أنا أستطيعه. فهل تدلني على غيره؟ فقال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا. قال: و ما الحنيف؟
قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديا و لا نصرانيا و لا يعبد إلا اللَّه. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه فقال: اللهم أشهد أني على دين إبراهيم. [١]
و في لفظ: فانطلق و هو يقول: لبّيك حقّا حقا تعبّدا و رقا. ثم يخرّ و يسجد للكعبة.
قال ابن إسحاق: إن زيد بن عمرو بن نفيل خرج يطلب دين إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) و يسأل الرهبان حتى بلغ الموصل و الجزيرة كلها ثم أقبل إلى الشام حتى انتهى إلى راهب بميفعة من أرض البلقاء و كان ينتهي إليه علم النصرانية، فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال: إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم و لكن قد أظلّك زمان نبيّ يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية، فالحق فإنه مبعوث الآن فهذا زمانه. و كان قد شامّ اليهودية و النصرانية فلم يرض شيئا منها، فخرج سريعا حين قال له ذلك الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا توسّط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه، فقال ورقة بن نوفل يرثيه:
رشدت و أنعمت ابن عمرو و إنّما* * * تجنّبت تنّورا من النّار حاميا
بدينك ربّا ليس ربّ كمثله* * * و تركك أوثان الطّواغي كما هيا
و إدراكك الدّين الّذي قد طلبته* * * و لم تك عن توحيد ربّك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها* * * تعلّل فيها بالكرامة لاهيا
تلاقي خليل اللَّه فيها و لم تكن* * * من النّاس جبّارا إلى النّار هاويا
و قد تدرك الإنسان رحمة ربّه* * * و لو كان تحت الأرض سبعين واديا
[٢]
[١] أخرجه البخاري ٧/ ١٧٦ (٣٨٢٧).
[٢] تروى هذه الأبيات في البداية و النهاية البيت الأول و الثاني و السادس فقط، انظر البداية و النهاية ٢/ ٢٣٨.
و يروي ابن كثير أيضا بعد البيت الأول:
لدينك ربا ليس كمثله* * * و تركك جنان الجبال كما هيا
أقول إذا أهبطت أرضا مخوفة* * * حنانيك لا تظهر علي الأعاديا
حنانيك إن الحب كانت رجاءهم* * * و أنت إلهي ربنا و رجائيا
لتدركن المرء رحمة ربه* * * و إن كان تحت الأرض سبعين واديا
أدين لرب يستجيب و لا أرى* * * أدين لمن لا يسمع الدهر واعيا
أقول إذا صليت في كل بيعة* * * تباركت قد أكثرت باسمك داعيا
انظر البداية و النهاية ٢/ ٢٤٣.