سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٢ - معرفته (صلّى اللّه عليه و سلم) بلهجات العرب
رواه الطبراني في الصغير و الخطابي في غريبه.
قال القاضي (رحمه اللّه تعالى): و أين هذه الألفاظ من كتابه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الصّدقة لأنس المشهور، فإنه بمحلّ من جزالة ألفاظ مألوفة و سلاسة تراكيب مأنوسة، و ذلك بمحل من غلاقة ألفاظ غريبة و قلالة أساليب في النطق عسرة، لأنه لمّا كان كلام هؤلاء على هذا الحد أي غريبا غير مألوف و كانت بلاغتهم على هذا النمط وحشيا غير مأنوس، و كان أكثر استعمالهم هذه الألفاظ التي ليست بمألوفة و لا مأنوسة، استعملها معهم ليبيّن للناس ما نزّل إليهم و ليحدّث الناس بما يعلمون ليفهموه.
و قد كان من خصائصه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يكلّم كل ذي لغة بلغته على اختلاف لغة العرب و تركيب ألفاظها و أساليب كلمها، و كان أحدهم لا يجاوز لغته و إن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربيّ و ما ذلك منه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلا بقوة إلهية و موهبة ربّانية، لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعث إلى الكافّة طرّا و إلى الخليقة سودا و حمرا، و لا يوجد متكلّم بغير لغته إلا قاصرا في تلك الترجمة نازلا عن صاحب الأصالة في تلك، إلا هو (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإنه كان إذا تكلم في كل لغة من لغة العرب كان أفصح و أنصع بلغاتها منا بلغة نفسها و جدير به ذلك، فإنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد أوتي جميع القوى البشرية المحمودة و مزيّة على الناس بأشياء كثيرة،
كقوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، في حديث عطية السّعدي رضي اللَّه تعالى عنه قال: قدمت على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فلما رآني قال: «ما أغناك اللَّه فلا تسأل الناس فإن اليد العليا خير هي المنطية و اليد السفلى هي المنطاة و إن مال اللَّه مسؤول و منطى» [١]. قال:
فكلّمنا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بلغتنا.
رواه الحاكم و صححه البيهقي.
و قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) لكعب بن عاصم الأشعري [٢] رضي اللَّه تعالى عنه: «ليس من ام برّ ام صيام في أم سفر».
رواه عبد الرزاق و الحميدي، و ابن القاسم البغوي.
أي ليس من البر الصيام في السفر، و هذه لغة صحيحة و أكثر ما يتكلم بها الأشعريون و هي في الغالب يمنية و الأشعريون من اليمن، و إنما تكلم بها رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رغبة في البيان و حسن التعلم و الإفهام لهم بلغتهم.
و قوله في حديث العامري حين سأله فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «سل عنك» [٣].
رواه أبو نعيم عن شداد بن أوس رضي اللَّه تعالى عنه.
[١] أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٢٧ و ذكره السيوطي في الدر ١/ ٣٥٩.
[٢] كعب بن عاصم الأشعري، يكنى أبا مالك، صحابي نزل الشام و مصر و له حديثان. [التقريب ٢/ ١٣٤].
[٣] ذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٥٥٩).