سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٠ - الباب الخامس عشر في بنيان قريش الكعبة
رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و كان شريفا فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى مكانه فقال:
يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيّبا لا يدخل فيها مهر بغيّ و لا بيع ربا و لا مظلمة أحد من الناس.
و بعض الناس ينحل هذا الكلام إلى الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
ثم إن قريشا تجزّأت الكعبة فكان شقّ الباب لبني عبد مناف و زهرة. و كان ما بين الركن الأسود و الركن اليماني لبني مخزوم و قبائل من قريش انضموا إليهم. و كان ظهر الكعبة لبني جمح و بني سهم، و كان شقّ الحجر لبني عبد الدار بن قصيّ، و لبني أسد بن عبد العزّي بن قصيّ و لبني عدي بن كعب، و هو الحطيم. فأمروا بالحجارة تجمع و كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينقل معهم.
روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: لمّا بنيت الكعبة ذهب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و العباس ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم): اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة. ففعل و كان ذلك قبل أن يبعث فخرّ إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السماء فقال: إزاري. فشدّه عليه. و في رواية: فسقط مغشيا عليه فما رئي بعد عريانا
[١].
و روى عبد الرزاق و الطبراني و الحاكم عن أبي الطّفيل رضي اللَّه تعالى عنه قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرّضم ليس فيها مدر، و كانت قدر ما تقتحمها العناق، و كانت ثيابها توضع عليها تسدل سدلا، و كانت ذات ركنين كهيئة هذه الحلقة فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جدة انكسرت فخرجت قريش لتأخذ خشبها فوجدوا الروميّ الذي فيها نجّارا، فقدموا به و بالخشب ليبنوا به البيت فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاها، فبعث اللَّه تعالى طيرا أعظم من النّسر فغرز مخالبه فيها فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة و بنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، فبينا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يحمل الحجارة من أجياد و عليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها فنودي: يا محمد خمّر عورتك. فلم ير عريانا بعد ذلك.
قال ابن إسحاق: ثم إن الناس هابوا هدمها و فرقوا منه. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها. فأخذ المعول ثم قام عليها و هو يقول: اللهم لم ترع. و يقال لم نرع، اللهم لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربّص الناس تلك الليلة و قالوا: ننتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا و رددناها كما كانت، و إن لم يصبه شيء هدمنا فقد رضي اللَّه تعالى ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله فهدم و هدم الناس حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى
[١] أخرجه البخاري ٣/ ٥١٣ (١٥٨٢) و مسلم ١/ ٢٦٨ (٧٦- ٣٤٠).