سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٤ - الباب الثاني و الثلاثون في إسلام الجن
و روى ابن شيبة و أحمد بن منيع و الحاكم و صححه و أبو نعيم و البيهقي، عن ابن مسعود قال: هبطوا على النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا. قالوا: صه و كانوا تسعة أحدهم زوبعة فأنزل الله تعالى: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ الآيات.
و روى ابن جرير و الطبراني عن ابن عباس قالوا كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رسلا إلى قومهم.
و روى الشيخان عن مسروق قال: قلت لابن مسعود: من آذن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ قال: آذنته بهم شجرة و في لفظ: سمرة.
و روى محمد بن عمر الأسلمي و أبو نعيم عن كعب الأحبار قال: لما انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة و هم فلان و فلان و الأحقب جاءوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هم ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك. فوعده رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ساعة من الليل بالحجون.
و روى الإمام أحمد و مسلم و الترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) ليلة الجنّ منكم أحد. قال: ما صحبه منا أحد و لكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا استطير أو اغتيل فبتنا بشرّ ليلة باتها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا يا رسول اللَّه إنا فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم. فقال: إنه أتاني داعي الجنّ فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن. فانطلق فأرانا آثارهم و آثار نيرانهم
[١].
و قال ابن مسعود أيضا: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: بتّ الليل أقرأ على الجن رفقا- و في لفظ: واقفا- بالحجون.
رواه ابن جرير
[٢].
قلت: تبيّن من الأحاديث السابقة أن الجن سمعوا قراءة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بنخلة فأسلموا، فأرسلهم إلى قومهم منذرين، ثم أتوه و هم ثلاثمائة، فقرأ عليهم القرآن و هذه المرّة لم يحضرها ابن مسعود، بل حضر في مرة بعدها.
و روى ابن جرير الطبراني و أبو نعيم و البيهقي و غيرهم من طرق، عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو بمكة: من أحبّ منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فليفعل. فلم يحضر منهم أحد غيري، فانطلقنا فقال: إن بني إخوة و بني عمّ يأتون الليلة فأقرأ
[١] أخرجه مسلم ١/ ٣٣٢ (١٥٠- ٤٥٠).
[٢] أخرجه الطبري في التفسير ٢٦/ ٢١ و أحمد في المسند ١/ ٤١٦ و ابن كثير في التفسير ٧/ ٢٧٥.