سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - الباب الأول في بدء عبادة الأصنام و الإشراك بالله تعالى
فعل حتى تتابعوا على ذلك فمات الآباء فقال الأبناء ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم.
فعبدوها.
و روى عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً [نوح ٢٣] قال: كانوا قوما صالحين بين آدم و نوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون في العبادة فقال لهم إبليس: لو صوّرتهم صورهم فكنتم تنظرون إليهم. فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم فقال إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها فعبدوها.
و روى أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي قال كان لآدم خمسة بنين ودّ و سواع و يغوث و يعوق و نسرا، فكانوا عبّادا، فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزنا شديدا فجاءهم الشيطان فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟ قالوا نعم. قال: هل لكم أن أصوّر لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟ قالوا: نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئا نصلّي إليه. قال فأجعله في مؤخّر المسجد؟ قالوا: نعم. فصوره لهم حتى مات خمستهم فصوّر صورهم في مؤخر المسجد، فتنقّضت الأشياء حتى تركوا عبادة اللَّه تعالى و عبدوا هؤلاء، فبعث اللَّه تعالى نوحا فقالوا «لا تذرنّ آلهتكم» إلى آخر الآية.
و روى عبد بن حميد عن أبي جعفر بن يزيد بن المهلب قال: كان ودّ رجلا مسلما و كان محبّبا في قومه فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل و جزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبّه في صورة إنسان ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصّور مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم فصوّر لهم مثله فوضعوه في ناديهم و جعلوا يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالا فيكون في بيته فيذكر به؟ قالوا: نعم. فمثّل لكل أهل بيت تمثالا مثله فجعلوا يذكرونه به و أدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به و تناسلوا و درس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون اللَّه تعالى فكان أول من عبد من دون اللَّه ودّ، الصنم الذي سمّوا بودّ.
و روى البخاري و ابن المنذر و ابن مردويه عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح تعبد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، و أما سواع فكانت لهذيل، و أما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف عند سبأ، و أما يعوق فكانت لهمدان، و أما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا و سمّوها بأسمائهم.
ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك و نسخ العلم عبدت فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين و التراب و الماء فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان إلى مشركي العرب.