سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٨ - تنبيهات
لبثت أن ماتت، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها، ثم نحّيتها عن الطريق فدفنتها، ثم أدركت أصحابي. فو اللَّه إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرا؟ قلنا: و من عمرو؟ قالت: أيكم دفن الحية؟ قلت: أنا. قالت: أما و اللَّه لقد دفنت صوّاما قوّاما يأمر بما أنزل اللَّه و لقد آمن بنبيكم و سمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة. فحمدنا اللَّه تعالى ثم قضينا حجنا، ثم مررت بعمر بن الخطاب بالمدينة فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت، سمعت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة
[١].
و قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباد حدثني محمد بن زياد، حدثني أبو مصلح الأسدي، حدثني يحيى بن صالح، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، عن حذيفة العدوي قال: خرج حاطب بن أبي بلتعة من حائط له يريد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى إذا كان بالمسحاء التفت إليه عجاجتان ثم أجلتا عن حيّة كيف الحوار، يعني الجلد، فنزل ففحص له بسية قوسه ثم واراه، فلما كان الليل إذا هاتف يهتف به:
يا أيّها الرّاكب المزجي مطيّته* * * اربع عليك سلام الواحد الصّمد
رأيت عمرا و قد ألقى كلاكله* * * دون العشيرة كالضّرغامةالأسد.
فأتي النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فأخبره فقال: ذاك عمرو بن الجوماية وافد نصيبين لقيه محصن بن جوشن النصراني فقتله، أما إني قد رأيتها- يعني نصيبين- فرفها إليّ جبريل، فسألت اللَّه تعالى أن يعذب نهرها و يطيب ثمرها و يكثر مطرها.
و الآثار في هذا المعنى كثيرة ذكر طرفا منها الشيخ (رحمه اللّه تعالى) في كتابه «لقط المرجان في أخبار الجان».
الثالث: أنكر ابن عباس رضي اللَّه عنهما اجتماع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالجن. ففي الصحيحين عنه قال: ما قرأ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على الجن و لا رآهم، انطلق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماء و أرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مالكم؟ قالوا: قد حيل بيننا و بين خبر السماء و أرسلت علينا الشّهب. قالوا: ما ذاك إلا من شيء قد حدث فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو بنخلة عامد إلى سوق عكاظ و هو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له و قالوا هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ
[١] أخرجه أبو نعيم في الدلائل (١٢٨) و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٥٣٦٨).