سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥١ - تنبيهات
السادس: قال القاضي (رحمه اللّه تعالى): إن الختم هو أثر شقّ الملكين لما بين كتفيه.
و تعقبه النووي فقال: هذا باطل لأن الشق إنما كان في صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) و بطنه، و قال القرطبي أثره- أي الشق- إنما كان خطّا واضحا من صدره إلى مراقّ بطنه كما في الصحيح. و لم يثبت قط أنه بلغ الشق حتى نفذ من وراء ظهره، و لو ثبت لزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى بطنه أي أسفل بطنه لأنه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراقّ البطن. قال: فهذه غفلة من القاضي.
قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): كذا قال. و قد وقفت على مستند القاضي و هو حديث عتبة بن عبد السّلمىّ و فيه أن الملكين لما شقّا صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) قال أحدهما للآخر خطه فخاطه و ختم عليه بخاتم النبوة. انتهى. فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه كان ذلك أثر الختم.
و فهم النووي و غيره أن قوله: «بين كتفيه» متعلق بالشق، و ليس كذلك بل هو متعلق بالختم و يؤيّده ما في حديث شدّاد بن أوس عند أبي يعلى و أبي نعيم في الدلائل أن الملك لما أخرج قلبه و غسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور فامتلأ نورا و ذلك نور النبوة.
فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر لأن القلب في تلك الجهة.
و في حديث عائشة عند أبي داود الطيالسي و ابن أبي أسامة و أبي نعيم في الدلائل أن جبريل و ميكائيل لما تراءيا له عند المبعث «هبط جبريل فسلقني لحلاوة القفا ثم شق قلبي فاستخرجه ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه ثم لأمه ثم ألقاني و ختم في ظهري حتى وجدت برد الخاتم في قلبي قال: اقرأ» [١] و ذكر الحديث. هذا مستند القاضي (رحمه اللّه تعالى) و ليس بباطل.
قلت: و قد تقدم في التنبيه الثالث من كلام السّهيلي ما يوضّح ما ذكره القاضي فراجعه.
السابع: وقع في حديث شدّاد بن أوس [٢] في مغازي ابن عائذ في قصة شق صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو في بلاد بني سعد بن بكر «و أقبل و في يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه و ثدييه» و هذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده (صلّى اللّه عليه و سلم) و العلم عند اللَّه تعالى.
الثامن: قال الحافظ: ما قيل إن الخاتم كان كأثر المحجم أو كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليها: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه أو سر فإنك المنصور. و نحو ذلك فلم يثبت من ذلك شيء و لا يغيّر بما وقع في صحيح ابن حبان فإنه غفل حيث صحح ذلك.
[١] أخرجه أبو نعيم في الدلائل (١٧٥).
[٢] شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أبو يعلى، صحابي، مات بالشام قبل الستين أو بعدها، و هو ابن أخي حسان بن ثابت. [انظر التقريب ١/ ٣٤٧].