سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤١ - تنبيهات
اقرأ أول ما نزل من القرآن. و شذّ صاحب الكشاف فقال: إن أكثر المفسرين على أن أول سورة نزلت الفاتحة. و هذا وهم بلا شك. و قال في موضع آخر: المحفوظ أن أول ما نزل: اقرأ باسم ربك و أن نزول الفاتحة كان بعد ذلك. و قال النووي: أول ما نزل من القرآن: اقرأ. هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف و الخلف و قيل أوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ و ليس بشيء.
الثالث عشر: إنما اضطرب فؤاده لما فجاء من الأمر المخالف للعادة و المألوف، فنفر طبعه البشري و لم يتمكن من التأمل في تلك الحالة، لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها.
الرابع عشر: قال البلقيني: الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد وعاء القلب كما قاله بعض أهل اللغة، فإذا حصل للوعاء الرّجفان حصل للقلب فيكون في ذكره من تعظيم الأمر ما ليس في ذكر القلب.
الخامس عشر: الحكمة في طلب التزمل أن العادة جرت بسكون الرّعدة بالتلفّف.
السادس عشر: دل
قوله: «لقد خشيت على نفسي»
مع
قوله «ترجف بوادره»
و في لفظ:
«فؤاده» على انفعال حصل له من مجيء الملك، و من ثم
قال: «زمّلوني».
و الخشية المذكورة اختلف في المراد بها على اثني عشر قولا: أولاها بالصواب:
الموت من شدة الرعب. و قيل المرض. و قيل دوامه. و قيل تعييرهم إياه.
قال القاضي: ليس هذا من معنى الشك فيما آتاه اللَّه، لكنه (صلّى اللّه عليه و سلم) عساه يخشى أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر و لا يقدر على حمل أعباء النبوة فتزهق نفسه أو ينخلع قلبه لشدة ما لقيه أولا عند لقاء الملك. قال: أو يكون قوله هذا الأوّل ما رأى التباشير في النوم و اليقظة و سمع الصوت قبل لقاء الملك و تحقّق رسالة ربه فيكون ما خاف أولا أن يكون من الشيطان، فأما منذ ما جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز عليه الشك و لا يخشى من تسلّط الشيطان عليه.
قال: و على هذا يحمل كل ما ورد من مثل هذا في حديث البعث.
قال النووي: و هذا الاحتمال الثاني ضعيف، لأنه خلاف تصريح الحديث بأن هذا بعد غطّ الملك و إتيانه «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ».
السابع عشر: خصّ ورقة موسى بالذّكر و لم يقل على عيسى، مع كون ورقة نصرانيا، لأن كتاب موسى مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى، و كذلك نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم)، أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون و من معه، بخلاف عيسى، و كذلك وقعت النقمة على يد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بفرعون هذه الأمة و هو أبو جهل و من معه يوم بدر. أو قاله تحقيقا للرسالة، لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين بخلاف عيسى، فإن كثيرا من اليهود ينكرون نبوته.