سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - تنبيهات
الخامس: قوله: فرأى بمكة أن آت أتاه. إلخ قال السّهيلي (رحمه اللّه تعالى): ليس ذكر النوم حديث عائشة، بل يدل ظاهره على أن نزول جبريل حين نزل بسورة اقرأ قد كان في اليقظة و قد يمكن الجمع بين الحديثين بأن يكون النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) جاءه جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة توطئة و تيسيرا عليه و رفقا به، لأن أمر النبوة عظيم و عبؤها ثقيل و البشر ضعيف، و سيأتي في حديث الإسراء من مقالة العلماء ما يؤكد هذا الفرض و يصححه.
قال في «الزّهر»: و الأنبياء (صلوات اللَّه و سلامه عليهم) هذا شأنهم، فلا حاجة إلى ما ذكره السهيلي بقوله: و قد يمكن إلخ، لأن الرواية بذلك لا بأس بسندها. و بسط الكلام على ذلك.
السادس: قال السّهيلي: في كون الكتاب في نمط من الديباج إشارة إلى أن هذا الكتاب به يفتح على أمته ملك الأعاجم و يسلبونهم الديباج و الحرير الذي كان زيّهم و زينتهم و به ينال أيضا ملك الآخرة و لباس الجنّة و هو الحرير و الديباج.
السابع: يؤخذ من قول عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: «فجاءه الملك فيه»- كما في كتاب التعبير من الصحيح- أي في الغار، دفع توهّم من يظن أن الملك لم يدخل إليه الغار بل كلّمه و النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) داخل الغار و الملك خارجه على الباب.
قال الحافظ: و إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء شهر رمضان و أن ابتداء الوحي جاءه و هو في الغار المذكور اقتضى ذلك أنه نبّئ في شهر رمضان. و يعكّر على قول ابن إسحاق أنه بعث على رأس الأربعين مع قوله: إنه ولد في شهر ربيع. و يمكن أن يكون المجيء في الغار كان أولا في شهر رمضان و حينئذ نبّيء و أنزل عليه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق ١] ثم كان المجيء الثاني في شهر ربيع الأول بالإنذار و أنزلت عليه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ١] فيحمل قول ابن إسحاق: على رأس الأربعين: أي عند المجيء بالرسالة.
الثامن: فإن قيل: لم كرّر: «اقرأ» ثلاث مرات؟
أجاب الإمام أبو شامة (رحمه اللّه تعالى) بأنه يحتمل أن يكون قوله أولا:
«ما أنا بقارئ»
على الامتناع، و ثانيا على الإخبار بالنفي المحض، و ثالثا على الاستفهام. و يؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قال: كيف أقرأ. و في رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق ما ذا أقرأ. و في مرسل الزّهري عند البيهقي كيف أقرأ و كل ذلك يؤيد أنها استفهامية.
و قال الحافظ: لعل الحكمة في تكرير «اقرأ» الإشارة إلى انحصار الإيمان الذي ينشأ الوحي بسببه في ثلاث: القول و العمل و النية، و أن الوحي يشتمل على ثلاث: التوحيد و الأحكام و القصص.