سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - تنبيهات
التاسع: الحكمة في غطّ جبريل له: شغله عن الالتفات لشيء آخر، أو لإظهار الشدة و الجدّ في الأمر تنبيها على ثقل القول الذي سيلقى إليه، فلما ظهر أنه صبر على ذلك ألقى إليه، هذا و إن كان في علم اللَّه حاصل لكن المراد إبرازه للظاهر بالنسبة إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قيل ليختبر هل يقول من قبل نفسه شيئا فلما لم يأت بشيء دلّ على أنه لا يقدر عليه.
و نقل الحافظ عن بعض من لقيه أن هذا يعدّ من خصائصه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا لم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه وقع له عند ابتداء الوحي مثل ذلك.
قال البلقيني: و كأن الذي حصل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عند تلقّي الوحي من الجهد مقدمة لما صار يحصل له من الكرب عند نزول القرآن و بسط الكلام على ذلك، و يأتي بتمامه في باب شدة الوحي.
العاشر: الحكمة في تكرير الغطّ: المبالغة في التنبيه، ففيه أنه ينبغي للمعلّم أن يحتاط في تنبيه المتعلّم و أمره بإحضار قلبه. و قيل الإشارة إلى التشديدات الثلاث التي وقعت له، و هي الحصر في الشّعب، و خروجه إلى الهجرة، و ما وقع له يوم أحد، و في الإرسالات الثلاث إشارة إلى حصول التيسير له عقب الثلاث، أو في الدنيا، و البرزخ، و الآخرة.
الحادي عشر: هذا القدر الذي ذكر من سورة اقرأ هو الذي نزل أولا بخلاف بقية السورة، فإنما نزل بعد ذلك بزمان.
و الحكمة في هذه الأولية: أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن، ففيها براعة الاستهلال و هي جديرة أن تسمّى عنوان القرآن لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة و جيزة، في أوله، و هذا بخلاف الفنّ البديعيّ المسمى بالعنوان فإنهم عرّفوه بأن يأخذ المتكلم في فن فيؤكّده بذكر مثال سابق.
و بيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن: أنها تنحصر في علم التوحيد و الأحكام و الأخبار، و قد اشتملت على الأمر بالقراءة و البداءة فيها باسم اللَّه، و في هذا الإشارة إلى الأحكام. و فيها ما يتعلق بتوحيد الرب و إثبات ذاته و صفاته من صفات ذات و صفات فعل، و في هذا إشارة إلى أصول الدين، و فيها ما يتعلق بالأخبار من قوله عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.
و قال السّهيلي: قيل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم). اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فإنك لا تقرأ بحولك و قوتك و لا بصفة نفسك و لا بمعرفتك، و لكن اقرأ مفتتحا قراءتك باسم ربك مستعينا في جميع أمورك به، فهو يعلّمك كما خلقك و كما نزع عنك علق الدم و علمك ما لم تكن تعلم من أمور الدين و مصالح العباد و ما تنطق به من المغيّبات.
الثاني عشر: قال الحافظ: ذكر أكثر الأئمة أن هذا القدر المذكور في القصة من سورة