سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧٨ - الباب الأول في بدء عبادة الأصنام و الإشراك بالله تعالى
عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت و الطواف به و الوقوف على عرفة و المزدلفة و هدي البدن و الإهلال بالحج و العمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه، فكانت كنانة و قريش إذا أهلّوا قالوا: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك. فيوحّدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم و يجعلون ملكها بيده. يقول اللَّه تبارك لنبيه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم):
وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف ١٠٦] أي ما يوحدونني بمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي.
قال ابن إسحاق: و كان لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها، فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل أو غيرهم و سمّوها بأسمائها حين فارقوا دين إسماعيل، فاتخذ هذيل بن مدركة سواعا، و كان لهم برهاط، و اتخذ كلب بن وبرة من قضاعة ودّا بدومة الجندل، و اتخذ كلب بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران و أهل جرش من مذحج اتخذوا يغوث.
و اتخذ خيوان، بطن من همدان، يعوق بأرض همدان من اليمن.
و اتخذ ذو الكلاع من حمير نسرا بأرض حمير، و اتخذ الأديم، بطن من خولان، صنما يقال له عم أنس يقسمون له من أنعامهم و حروثهم قسما بينه و بين اللَّه تعالى بزعمهم، فما دخل في حق عم أنس من حق اللَّه تعالى الذي سمّوه له تركوه له، و ما دخل في حق اللَّه تعالى من حق عم أنس ردّوه عليه، فأنزل اللَّه تعالى: وَ جَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَ الْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَ هذا لِشُرَكائِنا، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَ ما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام ١٣٦].
و كان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد، صخرة بفلاة من أرضهم طويلة، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبّلة ليقفها عليه التماس بركته فيما يزعم، فلما رأته الإبل و كانت مرعية لا تركب و كان يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه، و غضب ربّها الملكاني فأخذ حجرا فرماه به ثم قال: لا بارك اللَّه فيك! نفّرت عليّ إبلي. ثم خرج في طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا* * * فشتّتنا سعد فلا نحن من سعد
و هل سعد إلّا صخرة بتنوفة* * * من الأرض لا يدعى لغيّ و لا رشد
[١] و اتخذت قريش صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل، و اتخذوا إسافا و نائلة
[١] الروض الأنف ١/ ١٠٤، و البداية و النهاية ٢/ ١٩١.