سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - الباب الثامن في سفره (صلّى اللّه عليه و سلم) مع عمه أبي طالب إلى الشام
و التفت عنه بحيرا فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟
قالوا: جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس و إنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أ فرأيتم أمرا أراد اللَّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس ردّه؟
قالوا: لا فبايعوه و أقاموا معه. فأتى قريشا فقال: أنشدكم با اللَّه أيّكم وليّه قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب و أرسل معه رجلا و زوّدهم الراهب من الكعك و الزيت.
و قال: أبو طالب في هذه السّفرة قصائد منها ما ذكره ابن إسحاق و أبو هفان في ديوان شعر أبي طالب:
إنّ ابن آمنة الأمين محمّدا* * * عندي بمثل منازل الأولاد
لمّا تعلّق بالزّمام رحمته* * * و العيس قد قلّصن بالأزواد
فارفضّ من عينيّ دمع ذارف* * * مثل الجمان مفرّق الأفراد
راعيت منه قرابة موصولة* * * و حفظت فيه وصيّة الأجداد
و أمرته بالسّير بين عمومة* * * بيض الوجوه مصالت أنجاد
ساروا لأبعد طيّة معلومة* * * فلقد تباعد طيّة المرتاد
حتّى إذا ما القوم بصرى عاينوا* * * لاقوا على شرك من المرصاد
حبرا فأخبرهم حديثا صادقا* * * عنه و ردّ معاشر الحسّاد
قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى* * * ظلّ الغمامة ثاغري الأكباد
ساروا لفتك محمّد فنهاهم* * * عنه و أجهد أحسن الإجهاد
فثنى زبيراء بحير فانثنى* * * في القوم بعد تجادل و تعاد
و نهى دريسا فانتهى لمّا نهي* * * عن قول حبر ناطق بسداد
و منها:
بكى حزنا لمّا رآني محمّد* * * كأن لا يراني راجعا لمعاد
فبتّ يجافيني تهلّل دمعه* * * و عبرته عن مضجعي و وسادي
فقلت له قرّب قتودك و ارتحل* * * لا تخش منّي جفوة ببلاد
و حلّ زمام العيس و ارحل بنا معا* * * على عزمة من أمرنا و رشاد
رح رائحا في الرّائحين مشيّعا* * * لذي رحم و القرم غير بعاد
فرحنا مع القوم التّي راح ركبها* * * يؤمّون من غورين أرض إياد