سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٣ - الباب الثامن في كيفية بدء الوحي إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)
فوضعه على كفه فقال لصاحبه: نعم القلب قلب رجل صالح. فطهّر قلبه و غسله ثم أدخل القلب مكانه و ردّ الضلعين، ثم ارتفعا و رفعا سلمهما فإذا السقف كما هو، فذكر لخديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر فإن اللَّه لا يصنع بك إلا خيرا هذا خير فأبشر.
و في حديث عبيد بن عمير أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى في منامه أيضا جبريل و معه نمط من ديباج فيه كتاب فقال له اقرأ. فقال له: ما أقرأ. فغتّه به حتى ظن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه الموت، ثم أرسله فقال: اقرأ. قال: ما أقرأ. فغتّه به حتى ظن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه الموت، ثم أرسله فقال له اقرأ.
قال: ما ذا أقرأ- ما قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع- قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١] فقرأها رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم انتهى فانصرف جبريل وهبّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من نومه، قال: فكأنما كتب في قلبي كتابا، فذكر ذلك الخديجة فقالت:
أبشر فإن اللَّه لا يصنع بك إلّا خيرا.
ثم حبّب إليه الخلاء فكان يخلو شهر رمضان بغار حراء- و في لفظ يلحق- و معه أهله فيتحنّث- و في لفظ: فيتحنّف- فيه و هو التعبّد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع- و في لفظ:
يرجع- إلى أهله و يتزود لذلك و يطعم من جاءه من المساكين، فإذا رجع من جواره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه، ثم يرجع إلى بيته فيتزوّد لمثلها.
فقال لخديجة يوما: لمّا قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا فنظرت عن شمالي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء و الأرض فقلت: دثّروني دثروني و صبّوا عليّ ماء باردا.
و في رواية أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت: كان أول شأنه يرى في المنام، و كان أول ما رأى جبريل بأجياد و صرخ جبريل: يا محمد أنا جبريل. فنظر يمينا و شمالا فلم يرى شيئا فرفع بصره فإذا هو على أفق السماء فقال: يا محمد أنا جبريل. فهرب فدخل في الناس فلم ير شيئا، ثم خرج عنهم فناداه ثم هرب ثم استعلن جبريل من قبل حراء. انتهى.
و في رواية: إني إذا خلوت وحدي أرى ضوءا و أسمع نداء: يا محمد أنا جبريل. و قد و اللَّه خشيت أن يكون هذا أمرا. فقالت: معاذ اللَّه ما كان اللَّه ليفعل ذلك بك، إنك لتؤدي الأمانة و تصل الرّحم و تصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له و قالت:
اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل فإنه رجل يقرأ الكتب فيذكر له ما يسمع. فانطلقا إليه فقصّا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد أنا جبريل. فأنطلق هاربا،