سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٣٥ - الباب الثامن في كيفية بدء الوحي إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)
قال البراء بن عازب رضي اللَّه تعالى عنه: عرض جبريل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ليلة السبت و ليلة الأحد، ثم أتاه بالرسالة ليلة الاثنين ففجأه الحقّ- و في لفظ: فجاءه الحقّ- و هو في غار حراء و
في رواية: فأتاه جبريل و ميكائيل، فنزل جبريل و بقي ميكائيل واقفا بين السماء و الأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أ هو هو؟ قال: هو هو. قال: فزنه برجل. فوزنه به فرجحه رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال: زنه بعشرة فوزنه فرجحهم. قال: زنه بمائة. فوزنه فرجحهم. قال: زنه بألف. فوزنه فرجحهم. ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفّة الميزان فقال ميكائيل: تبعته أمّته و ربّ الكعبة. ثم أجلس على بساط كهيئة الدّرنوك، فيه الياقوت و اللؤلؤ، فقال أحدهما لصاحبه: شقّ بطنه.
فشقه فأخرج منه مغمز الشيطان و علق الدم فطرحها فقال أحدهما لصاحبه: أغسل بطنه غسل الإناء و اغسل قلبه غسل الملاء. ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه. فخاطه. ثم أجلساه فبشّره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال له جبريل: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ. فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له اقرأ قال: ما أنا بقارئ. فغطّه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال له اقرأ قال: ما أنا بقارئ فغطه حتى بلغ منه الجهد.
ثم أرسله فقال: اقْرَأْ أوجد القراءة. مبتدئا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ الخلائق خَلَقَ الْإِنْسانَ الجنس مِنْ عَلَقٍ جمع عَلَقة و هي القطعة اليسيرة من الدم الغليظ و جمعها لأن الإنسان في معنى الجمع اقْرَأْ تأكيد للأول. وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي لا يوازيه كريم. الَّذِي عَلَّمَ الخطّ بِالْقَلَمِ و أول من خطّ إدريس (صلّى اللّه عليه و سلم).
ثم أفرد ما هو أشرف و أظهر صنيعا و تدبيرا و أدلّ على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال: عَلَّمَ الْإِنْسانَ الجنس ما لَمْ يَعْلَمْ قبل تعليمه من الهدى و الكتابة و الصناعة و غيرها.
و هذا القدر من هذه السورة هو الذي نزل أولا بخلاف بقية السورة فإنما نزل بعد ذلك فرجع بها رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أهله ترجف بوادره. و في لفظ: فؤاده. لا يلقاه حجر و لا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول اللَّه.
فرجع إلى بيته و هو موقن قد فاز فوزا عظيما فدخل على خديجة فقال: «زمّلوني زملوني». فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع. قال أ رأيتك الذي كنت أخبرتك أني رأيته في المنام؟
فإنه جبريل استعلن لي أرسله إليّ ربّي. و أخبرها الخبر. و قال: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلّا أبشر فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا إنك لتصل الرّحم و تقرى الضيف و تصدق الحديث و تؤدي الأمانة و تحمل الكلّ و تكسب المعدوم و تعين على نوائب الحق، فاقبل الذي جاءك من اللَّه فإنه حق، و أبشر فإنك رسول اللَّه حقا.
ثم انطلقت حتى أتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال