سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٢ - تنبيهات
قال الحافظ: و أما ما تمحّل له السّهيلي من أن ورقة كان على اعتقاد النصاري في عدم نبوة عيسى و دعواهم أنه أحد الأقانيم فهو محال لا يعرّج عليه في حق ورقة و أشباهه من لم يدخل في التبديل و لم يأخذ عمن بدّل.
على أنه قد ورد عند أبي نعيم في الدلائل بسند حسن عن عروة في هذه القصة أن خديجة أو لا قد أتت ابن عمها ورقة فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صدقتيني إنه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يعلّمه بنو إسرائيل أبناءهم. فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة: ناموس عيسى و تارة ناموس موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصة قال لها ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية، و عند إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) له قال ناموس موسى للمناسبة التي قدّمناها، و كل صحيح.
الثامن عشر:
قال السّهيلي: قال ورقة للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم): لتكذّبنه فلم يقل له شيئا، ثم قال و لتؤذينّه. فلم يقل له شيئا. ثم قال: و لتخرجنّه فقال (عليه الصلاة و السلام): أو مخرجيّ هم؟
ففي هذا دليل على حب الوطن و شدة مفارقته على النفس، و أيضا فإنه حرم اللَّه تعالى و جوار بيته و بلدة أبيه إسماعيل، فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج ما لم تتحرك قبل ذلك، فقال: أو مخرجيّ هم؟
و الموضع الدال على تحرك النفس و تحرّقها: إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه، و ذلك أن الواو تردّ إلى الكلام المتقدم و تشعر المخاطب بأن الاستفهام على جهة الإنكار و التفجع لكلامه و التألم منه.
قال الحافظ: و يحتمل أن يكون انزعاجه كان من جهة خشية فوات ما أمّله من إيمان قومه باللَّه و إنقاذهم به من وضر الشّرك و أدناس الجاهلية و من عذاب الآخرة و ليتمّ له المراد من إرساله إليهم. و يحتمل أن يكون انزعج من الأمرين معا.
و سبقه إلى ذلك الشيخ تقي الدين السّبكي فقال: كما حكاه عنه ولده في الطبقات:
الأحسن أن يقال: تحركت نفسه، لما في الإخراج من فوات ما ندب إليه من إيمانهم، و هدايتهم، فإن ذلك مع التكذيب و الإيذاء مترقّب، و مع الإخراج منقطع، و ذلك هو الذي لا شيء عند الإنسان أعظم منه، لأنه امتثال أمر اللَّه تعالى، و أما مفارقة الوطن فأمر جبلي و النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أجلّ و أعلى مقاما من الوقوف عنده في هذا الموطن العظيم.
التاسع عشر: قال الإسماعيلي (رحمه اللّه تعالى): موّه بعض الطاعنين على المحدّثين فقال: كيف يجوز للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة و يشكو لخديجة ما يخشاه؟
و الجواب: إن عادة اللَّه سبحانه و تعالى جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى اللَّه تعالى