سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - الباب السابع في مشي قريش إلى أبي طالب ليكف عنهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)
نصرته و القيام معه.
فقال له رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): يا عمّ و اللَّه لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فلما ولّى ناداه أبو طالب: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو اللَّه لا أسلمك لشيء أبدا.
ثم قال أبو طالب:
و اللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم* * * حتّى أوسّد في التّراب دفينا
فامضي لأمرك ما عليك غضاضة* * * و ابشر و قرّ بذاك منك عيونا
و دعوتني و زعمت أنّك ناصحي* * * فلقد صدقت و كنت ثمّ أمينا
لولا الملامة أو حذاري سبّة* * * لوجدتني سمحا بذاك مبينا
[١] قال في الرّوض: خصّ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) الشمس باليمين لأنه الآية المبصرة و خصّ القمر بالشمال لأنه الآية الممحوّة. و خص (صلّى اللّه عليه و سلم) النيّرين حين ضرب المثل بهما لأن نورهما محسوس، فالنور الذي جاء به من عند اللَّه تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة ٣٢] فاقتضت بلاغة النبوّة لمّا أرادوه على ترك النور الأعلى أن يقابله بالنور الأدنى و أن يخص أعلى النيرين و هي الآية المبصرة بأشرف اليدين و هي اليمين، بلاغة لا مثلها و حكمة لا يجهل اللبيب فضلها. انتهى.
قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و إسلامه، و إجماعه لفراقهم في ذلك و عداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش و أجمله، فخذه فلك عقله و نصره و اتخذه ولدا فهو لك، و أسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف ديننا و دين آبائك و فرّق جماعة من قومك و سفّه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل برجل.
قال: و اللَّه لبئس ما تسومونني! أ تعطوني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه! هذا و اللَّه ما لا يكون أبدا، أرأيتم ناقة تحنّ إلى غير فصيلها؟
فقال المطعم بن عديّ بن نوفل: و اللَّه يا أبا طالب لقد أنصفك قومك و جهدوا على التخلّص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب للمطعم: و اللَّه ما أنصفوني و لكنك قد أجمعت خذلاني و مظاهرة القوم عليّ فاصنع ما بدا لك أو كما قال. فحقب الأمر و حميت الحرب و تنابذ القوم و بادر بعضهم بعضا.
فقال أبو طالب يعرّض بالمطعم بن عديّ يعمّ من خذله من بني عبد مناف و من عاداه
[١] انظر البداية و النهاية ٣/ ٤٢.