سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٤ - الباب الثالث و الثلاثون في عرض النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه و ينصروه و دعائه الناس إلى التوحيد
فقال مفروق و إلام تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فو اللَّه ما سمعت كلاما أحسن من هذا.
فتلا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأَنعام ١٥١].
فقال مفروق: دعوت- و اللَّه- إلى مكارم الأخلاق و محاسن الأعمال، و لقد أفك قوم كذّبوك و ظاهروا عليك.
ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: و هذا هانئ شيخنا و صاحب ديننا.
فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش و إني أرى تركنا ديننا و إتباعنا دينك لمجلس جلست إلينا لا أول له و لا آخر لذلّ في الرأي و قلة نظر في العاقبة، إن الزلّة مع العجلة و إنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا و لكن نرجع و ترجع و ننظر و تنظر.
ثم كأنه أحب أن يشركه المثنّى بن حارثة فقال: و هذا المثنى شيخنا و صاحب حربنا.
فقال المثنّى- و أسلم بعد ذلك- قد سمعت مقالتك يا أخا قريش و الجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا و متابعتنا دينك و إنا نزلنا بين صريين: أحدهما اليمامة و الآخر السمامة.
فقال له رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ما هذان الصريان؟ قال: أنهار كسرى و مياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور و عذره غير مقبول، و أما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور و عذره مقبول، و إنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا و لا نؤوي محدثا و إني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك و ننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا.
فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. و إن دين اللَّه عز و جل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم اللَّه تعالى أرضهم و ديارهم و أموالهم و يفرشكم نساءهم أ تستحبّون اللَّه تعالى و تقدّسونه؟
فقال النعمان: اللهم فلك ذاك.
فتلا عليهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً [الأحزاب ٤٥].