سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٢ - الباب الثالث و الثلاثون في عرض النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه و ينصروه و دعائه الناس إلى التوحيد
أبت من هذا الرجل الذي يردّ عليه ما يقول يتبعه حيث ذهب و رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يفرّ منه؟ قال:
هذا عمه عبد العزّى بن عبد المطلب أبو لهب
[١].
و روى الطبراني عن طارق بن عبد الله قال: إني بسوق ذي المجاز إذ مرّ رجل بي [٢] عليه حلّة من برد أحمر و هو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا اللّه تفلحوا. و رجل خلفه قد أدمى عرقوبيه و ساقيه يقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تطيعوه. فقلت: من هذا؟ قالوا: غلام بني هاشم الذي يزعم أنه رسول اللَّه و هذا عمه عبد العزى.
و روى الطبراني برجال ثقات من مدرك بن [منيب] رضي اللَّه عنه قال: حججت مع أبي فلما نزلنا منى إذا نحن بجماعة فقلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال: هذا الصابئ. و إذا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا.
و روى البخاري في تاريخه و الطبراني في الكبير و اللفظ له عن مدرك بن منيب- بضم أوله و كسر النون و آخره موحدة- العامريّ عن أبيه عن جده رضي اللَّه عنه قال: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الجاهلية و هو يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا. فمنهم من تفل في وجهه و منهم من حثا عليه التراب، و منهم من سبّه، حتى انتصف النهار فأقبلت جارية بعسّ من ماء فغسل وجهه و يديه و قال: يا بنية لا تخشي على أبيك غلبة و لا ذلة. فقلت: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). و هي جارية وضيئة.
و روى الطبراني برجال ثقات نحوه عن الحارث بن الحارث.
و روى الإمام أحمد و البيهقي عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بسوق ذي المجاز و هو يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا. و إذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، و إذا هو أبو جهل، و إذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرّنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات و العزى يتبعه حيث ذهب و رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يفرّ منه، و ما يلتفت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إليه.
قال الحافظ: عماد الدين بن كثير: المحفوظ: أبو لهب. و قد يكون أبو جهل وهما، و يحتمل أن يكون ذا تارة و ذا تارة، و أنهما يتناوبان على أذيّة رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
قلت: و هذا هو الظاهر.
و ذكر ابن إسحاق عرضه (صلّى اللّه عليه و سلم) نفسه الكريمة على كندة و كلب و بني عامر بن صعصعة و بني حنيفة. قال: و لم يكن أحد من العرب أقبح ردّا عليه منهم.
[١] أخرجه الطبري في التاريخ ٢/ ٣٤٨ و أحمد في المسند ٣/ ٤٩٢ و الطبراني في الكبير ٥/ ٥٨.
[٢] في أ شاب.