سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٣ - تنبيه
تفرّد بهذا الحديث أبو غزيّة و تفرّد عنه الكعبي بذكر مالك في إسناده. قال الدارقطني:
هذا كذب على مالك و الحمل فيه على أبي غزيّة و المتهم بوضعه هو أو من حدّث به عنه.
و هذا الحديث قد حكم بوضعه الحافظ أبو الفضل بن ناصر و الجوزقاني و ابن الجوزي و الذهبي و أقرّه الحافظ في اللسان، و حكم بوضعه جماعة سبق ذكرهم في ترجمة عبد الله والد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم). و جعله ابن شاهين و من تبعه ناسخا لأحاديث النهي عن الاستغفار.
قلت: و هذا غير جيّد لأن أحاديث النهي عن الاستغفار لهما بعض طرقها صحيح. رواه مسلم و ابن حبان في صحيحيهما و هذا الحديث على تسليم ضعفه لا يكون ناسخا للأحاديث الصحيحة و اللَّه تعالى أعلم.
قال أبو الخطاب بن دحية: الحديث في إحياء أبيه و أمه موضوع يردّه القرآن و الإجماع قال تعالى: وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ [النساء ١٨] و قال: فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ [البقرة ٢١٧] فمن مات و هو كافر لم ينفعه الإيمان بعد الرّجعة بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه، فكيف بعد الإعادة؟ و في التفسير
أنه (عليه الصلاة و السلام) قال: «ليت شعري ما فعل أبواي [١]؟».
فنزلت وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
[البقرة ١١٩].
قلت: لو اقتصر أبو الخطاب على الحكم بوضع الحديث فقط و سكت عما ذكره لكان جيّدا و تأدّبا مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)- في حق أبويه. و قد تعقبّه القرطبّي فقال: و فيما ذكره ابن دحية نظر. و ذلك أن فضائل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و خصائصه لم تزل تتوالى و تتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله تعالى و أكرمه به، و ليس إحياؤهما و إيمانهما به ممتنعا عقلا و لا شرعا، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل و إخباره بقاتله و كان عيسى (صلّى اللّه عليه و سلم) يحيي الموتى و كذلك نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) أحيا اللَّه تعالى على يديه جماعة من الموتى. و إذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته و فضيلته مع ما ورد من الخبر في ذلك و يكون مخصوصا ممن مات كافرا.
و قوله: «فمن مات كافرا»
إلى آخر كلامه مردود بما في الخبر أن اللَّه ردّ الشمس على نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد مغيبها حتى صلى عليّ العصر. ذكره الطّحاويّ و قال إنه حديث ثابت. فلو لم
[ ()] «سند النسائي» و حديث آخر أخرجه النسائي عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: يا حميراء أ تحبين أن تنظري إليهم و إسناده صحيح [انظر الإجابة ٦١- ٦٢ المصنوع (٢١١)].
[١] أخرجه الطبري في التفسير ١/ ٤٠٩ و ذكره السيوطي في الدر ١/ ١١١ و زاد نسبته لوكيع و سفيان بن عيينة و عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن المنذر.