سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٧ - الباب السادس عشر في الهجرة الأولى إلى الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين و كانت في شهر رجب سنة خمس من المبعث
و كان من قدم على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و منهم من أقام بها حتى هاجر إلى المدينة فشهد معه بدرا و منهم من حبس عنه حتى فاته بدر و غيره، و منهم من مات بمكة. و دخل عثمان بن مظعون بجوار من الوليد بن المغيرة.
فلما قدم أولئك النفر مكة اشتد عليهم قومهم وسطت عليهم عشائرهم و لقوا منهم أذى شديدا.
و لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من البلاء و هو يغدو و يروح في أمان الوليد بن المغيرة قال: و اللَّه إنّ غدوّي و رواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك و أصحابي و أهل ديني يلقون من البلاء و الأذى في اللَّه ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي.
فمشى إلى الوليد فقال يا أبا عبد شمس وفت ذمتك و قد رددت إليك جوارك. قال: لم يا بن أخي، لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا و لكني أرضى بجوار اللَّه عز و جل و لا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يردّ عليّ جواري. قال: صدق قد وجدته و فيّا كريم الجوار و لكنني قد أحببت ألا أستجير بغير اللَّه عز و جل فقد رددت عليه جواره.
ثم انصرف عثمان و لبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم فقال لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا اللَّه باطل
فقال عثمان: صدقت.
فقال لبيد:
و كلّ نعيم لا محالة زائل
[١] فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد: يا معشر قريش و اللَّه ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان حتى شري أمرهما فقام ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها و الوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان فقال: أما و اللَّه يا ابن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة و لقد كنت في ذمة منيعة. فقال عثمان: بل و اللَّه إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في اللَّه عز و جل و إني لفي جوار من هو أعزّ و أقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلمّ يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعد. فقال: لا.
و لما أجار أبو طالب أبا سلمة بن عبد الأسد مشى إليه رجال من بني مخزوم فقالوا له:
[١] انظر الروض الأنف ٢/ ١٢٠، و البداية و النهاية ٣/ ٩٢.