سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - فصل في الكلام على أحاديث النهي عن استغفار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لأبويه
مسعود، و ابن جرير من طريق عطية العوفي، و الطبراني من طريق عكرمة، كلاهما عن ابن عباس و ابن مردويه عن بريدة قال: و فيه أن قبرها بمكة.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): فأما حديث ابن مسعود و إن صححه الحاكم فقد تعقّبه الذهبي في مختصره فقال: في سنده أيوب بن هانئ ضعّفه ابن معين. فهذه علة تقدح في صحته. و له علة ثانية و هي مخالفته لما في صحيح البخاري و غيره أن هذه الآية نزلت بمكة عقب موت أبي طالب و استغفار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) له كما سيأتي في باب موت أبي طالب. و أما حديث ابن عباس فله علتان: مخالفته للحديث الصحيح كما سبق و ضعف إسناده. و أما حديث بريدة فله علتان: إحداهما المخالفة في سبب نزول الآية. و الثانية: قال ابن سعد بعد تخريجه:
هذا غلط و ليس قبرها بمكة و قبرها بالأبواء.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): و أصح هذه الطرق أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) زار قبر أمه في ألفي مقنّع فما رئي أكثر باكيا من ذلك اليوم. رواه الحاكم و صححه عن [بريدة]. و هذا القدر لا علّة له، و ليس فيه مخالفة لشيء من الأحاديث، و لا نهي عن الاستغفار، و قد يكون البكاء لمجرد الرّقة التي تحصل عند زيارة الموتى من غير سبب تعذيب و نحو.
ثم قال الشيخ: و قد ظفرت بأثر يدل على أنها ماتت و هي موحّدة. فذكر أثر أم سماعة- بنت أبي رهم عن أمها- السابق ثم قال: فهذا القول من أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صريح في أنها موحّدة إذ ذكرت دين إبراهيم و بعث ابنها (صلّى اللّه عليه و سلم) بالإسلام من عند ذي الجلال و الإكرام و نهيه عن عبادة الأصنام و موالاتها مع الأقوام و هل التوحيد شيء غير هذا؟ التوحيد الاعتراف باللَّه و إلهيته و إنه لا شريك له و البراءة من عبادة الأصنام و نحوها. و هذا القدر كاف في التبرّي من الكفر و صفة ثبوت التوحيد في الجاهلية قبل البعثة. و قد قال العلماء في حديث الذي أمر بنيه عند موته أن يحرقوه و يسحقوه و يذروه في الرّيح و قوله: «إن قدر اللَّه عليّ» إنّ هذه الكلمة لا تنافى الحكم بإيمانه لأنه لم يشك في القدرة و لكن جهل فظن أنه إذا فعل ذلك لا يعاد. و لا يظنّ بكلّ من كان في الجاهلية أنه كان كافرا، فقد كان جماعة تحنّفوا و تركوا ما كان عليه أهل الشرك و تمسّكوا بدين إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو التوحيد، كزيد بن عمرو بن نفيل و قسّ بن ساعدة و ورقة بن نوفل، فكلهم محكوم بإيمانه في الحديث و مشهود له بالجنة، فلا بدع أن تكون أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) منهم، كيف و أكثر من تحنّف إنما كان سبب تحنّفه ما سمعه من أهل الكتاب قرب زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) من أنه قرب بعث نبيّ من الحرم صفته كذا، و أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها، و شاهدت في حمله و ولادته من آياته الباهرة ما يحمل على التحنف ضرورة، و رأت النور الذي خرج منها أضاءت له قصور الشام حتى رأتها كما ترى أمهات النبيين صلى اللَّه عليهم