سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٦ - تنبيهات
(رحمه اللّه تعالى): الحكمة في شق صدره الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم) مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانا و حكمة من غير شق: الزيادة في قوة اليقين لأنه أعطي برؤية شق بطنه و عدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان (صلّى اللّه عليه و سلم) أشجع الناس حالا و مقالا و لذلك وصف بقوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى [النجم ١٧].
السادس: اختلف: هل كان شق الصّدر و غسله مختصّا به (صلّى اللّه عليه و سلم) أو وقع لغيره؟ صحح الشيخ (رحمه اللّه تعالى) عدم المشاركة. و سيأتي في الخصائص أن الصحيح المشاركة.
السابع: في الحكمة في تكرّره. قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى)، بعد أن ذكر الأولى و الثالثة و الرابعة: و لكل من الثلاث حكمة، فالأولى كان في زمن الطفوليّة لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم عند المبعث زيادة في الكرامة ليتلقّى ما يلقى إليه بقلب قويّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهّب للمناجاة.
قلت: و سكت عن حكمة المرّة الثانية مع ذكره للمرة الثانية في كتاب التوحيد جازما بها و يحتمل أن يقال لمّا كان العشر قريبا من سنّ التكليف شقّ صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) و قدّس حتى لا يلتبس بشيء مما يعاب على الرجال. و اللَّه تعالى أعلم.
قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): و يحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما هي في شرعه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال ابن أبي جمرة (رحمه اللّه تعالى): و إنما غسل قلبه (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد كان مقدّسا و قابلا لما يلقى فيه من الخير. و قد غسل أولا و هو صغير السّن و أخرجت منه العلقة إعظاما و تأهبا لما يلقى هناك. يعني في المعراج. و قد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متوضئا لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام و تأهب للوقوف بين يدي اللَّه تعالى و مناجاته. و كذلك أيضا الزيادة على الواحدة و الثّنتين إذا أسبغ بالأولى لأن الإجزاء قد حصل و بقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث عظاما لما يقدم عليه. و كذلك غسل الباطن هنا و قد قال تعالى: وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج ٣٢] فكان الغسل له (صلّى اللّه عليه و سلم) من هذا القبيل و إشارة لأمته بالفعل بتعظيم الشعائر كما نصّ عليه بالقول.
و قال البرهان النعماني (رحمه اللّه تعالى) في سراجه: قد سنّ لداخل الحرم الشريف الغسل، فما ظنك بداخل الحضرة المقدّسة؟! فلما كان الحرم الشريف من عالم الملك و هو ظاهر الكائنات أنيط الغسل له بظاهر البدن في عالم المعاملات، و لما كانت الحضرة القدسيّة من عالم الملكوت و هو باطن الكائنات أنيط الغسل بباطن البدن في التحقيقات، و قد عرج به (صلّى اللّه عليه و سلم) لتفرض عليه الصلاة و ليصلّي بملائكة السموات، و من شأن الصلاة الطّهور فقدّس ظاهرا و باطنا.