سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٧ - تنبيهات
فإن قلت: إن اللَّه تعالى خلقه نورا متنقّلا من الأنبياء و في صفاء النور ما يغني عن التطهير الحسّي، ثم إن المرة الأولى لم تكن كافية في تطهير الباطن و يلزم عليه أنه بعد النبوة كان فيه شيء يحتاج إلى ذلك، و هو منزّه عن أدران البشرية.
قلت: الغسلة الأولى لعين اليقين و الثانية لعلم اليقين، و الثالثة لحقّ اليقين.
الثامن: اختلف هل وقع له (صلّى اللّه عليه و سلم) مع ذلك مشقة أم لا؟.
قال الحافظ: من غير مشقة و به جزم ابن الجوزي فقال: شقّه و ما شقّ عليه. و قال ابن دحية: بمشقة عظيمة و لهذا انتقع لونه (صلّى اللّه عليه و سلم) أي صار كلون النقع و هو الغبار، و هذه صفة ألوان الموتى.
قلت: رواية «انتقع لونه» حكاية، وقع في المرة الأولى و هو صغير في بني سعد. و أمّا ما وقع بعدها فلم ينقل أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) تأثّر لذلك. و قد تقدم في حديث أبي هريرة في المرة الثانية ما يؤيد ذلك فراجعه.
التاسع: وقع السؤال هل كان شق صدره الشريف (صلّى اللّه عليه و سلم) بآلة أم لا: و لم يجب عنه أحد و لم أر من تعرّض له بعد التتبع. و ظاهر قوله: «فشقّ» أنه كان بآلة، و يدل لذلك قول الملك في حديث أبي ذر. «خط بطنه فخاطه» و في لفظ عن عتبة بن عبد: «حصه فحاصه»، و في حديث أنس «كانوا يرون أثر المخيط في صدره (صلّى اللّه عليه و سلم)».
العاشر:
في حديث أبي ذرّ «و أتيت بالسّكّينة كأنها برهرهة فوضعت في صدري»
قال ابن الأنباري: «برهرهة» و هي السّكينة المعوجّة الرأس التي تسميها العامة «المنجل» بالجيم.
و قال الخطابي: عثرت على رواية و فيها: أنه شقّ عن قلبه قال: فدعي بسكّينة كأنها درهمة بيضاء، فوقع لي أنه أراد بالبرهرهة سكّينة بيضاء صافية الحديد تشبيها بالبرهرهة من النساء في بياضها و صفائها.
ثم قال ابن دحية و الصواب في هذه اللفظة السّكينة- أي بالتخفيف لأنه قال بعد شق البطن، ثم أتيت بالسّكينة كأنها برهرهة فوضعت في صدري، فإنما عنى بها السّكينة التي هي في الأصل اللغة فعيلة من السكون و هي أكثر ما تأتي في القرآن العظيم بمعنى السكون و الطمأنينة.
الحادي عشر: خص الطست بما ذكر لكونه أشهر آلات الغسل عرفا.
قال السّهيلي (رحمه اللّه تعالى): و في ذكر الطست أيضا و حروف اسمه حكم تنظر إلى قوله تعالى: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَ كِتابٍ مُبِينٍ [النمل ١].