سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٩ - تنبيهات
ذهبها و فضتها و جميع زخرفها و زينتها. ثم وعد باتباع الوحي و القرآن قصور الذهب في الجنة قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «جنّتان من ذهب آنيتهما و ما فيهما» و في التنزيل: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ [الزخرف ٧١] فكأن ذلك الذهب يشعر بالذهب الذي يصير إليه من اتبع الحق و القرآن، و أوصافه تشعر بأوصاف الحق و القرآن، و لفظه يشعر بإذهاب الرّجس. كما تقدم.
فهذه حكم بالغة لمن تأمّل، و اعتبار صحيح لمن تدبّر.
و زاد غيره أن الذهب من جوالب السرور. و قال الشاعر:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها* * * لو مسّها حجر مسّته سرّاء
[١].
الثالث عشر: قال النووي (رحمه اللّه تعالى): ليس في هذا الخبر ما يوهم جواز استعمال إناء الذهب و الفضة لأن هذا فعل الملائكة و استعمالهم، و ليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا و لأنه كان قبل تحريم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أواني الذهب و الفضة. انتهى.
أي لأن التحريم إنما وقع بالمدينة كما نبّه عليه الحافظ.
الرابع عشر: يؤخذ من غسل قلبه (صلّى اللّه عليه و سلم) بماء زمزم أنه أفضل المياه و به جزم الإمام البلقيني قال ابن أبي جمرة: إنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها من الجنة ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركته (صلّى اللّه عليه و سلم) في الأرض.
و قال غيره: لمّا كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل (صلّى اللّه عليه و سلم) و قد ربّي عليه و نما عليه قلبه و جسده و صار هو صاحبه و صاحب البلدة المباركة، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك. و لما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك بعده فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح فجعل السقاية للعباس و ولده و حجابة البيت لعثمان بن شيبة و عقبه إلى يوم القيامة.
الخامس عشر: الحكمة في غسل صدره (صلّى اللّه عليه و سلم) بماء الثلج و البرد هي مع ما فيهما من الصفاء و عدم التكدّر بالأجزاء الترابيّة التي هي محلّ الأرجاس و عنصر الأكدار، الإيماء إلى أن الوقت يصفو له (صلّى اللّه عليه و سلم) و لأمته و يروق بشريعته الغرّاء و سنّته، و الإشارة إلى ثلوج صدره أي انشراحه بالنصر على أعدائه و الظفر بهم و الإيذان ببرودة قلبه، أي طمأنينته على أمته بالمغفرة لهم و التجاوز عن سيئاتهم.
و قال ابن دحية: إنما غسل قلبه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالثلج لما يشعر به الثلج من ثلج اليقين إلى قلبه.
و قد كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول بين التكبير و القراءة: «اللهم اغسلني من خطاياي بالثّلج و البرد
[٢]» و أراد
[١] البيت لأبي نواس انظر الأغاني ٤/ ٢٠٠.
[٢] أخرجه البخاري ١١/ ١٨٠ حديث (٦٨٦٨) و مسلم ٤/ ٢٠٧٨ حديث (٤٨- ٢٧٠٥).