سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٥ - الباب السادس عشر في الهجرة الأولى إلى الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين و كانت في شهر رجب سنة خمس من المبعث
تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه [١] فَيَنْسَخُ اللَّهُ يبطل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ يثبتها وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ [الحج: ٥٢] في تمكينه منه يفعل ما يشاء إلى آخر الآية.
و الذي قدمناه من قصة الغرانيق له طرق كثيرة ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح و هي مراسيل يحتجّ مثلها من يحتج بالمرسل و كذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها بعضا روى الأول: ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قلت: و رواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
و الثاني: رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
و الثالث: رواه ابن جرير عن أبي العالية.
قال الحافظ: و قد تجرّأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها. و هو إطلاق مردود عليه. و كذا قول القاضي: هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة و لا رواه ثقة بسند سليم إلى آخر كلامه. قال الحافظ: جميع ذلك لا يتمشّى على القواعد، فإنّ الطرق إذا كثرت و تباينت مخارجها دلّ ذلك على أن للقصة أصلا [٢]. انتهى و سيأتي الكلام على ذلك بأبسط مما هنا في أبواب عصمته (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال ابن إسحاق فلما أن بلغ المسلمين الذين بأرض الحبشة ذلك و أن أهل مكة أسلموا حتى إن الوليد بن المغيرة و أبا أحيحة قد سجدا خلف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال القوم: فمن بقي بمكة إذا أسلم هؤلاء؟ و قالوا: عشائرنا أحبّ إلينا. فخرجوا راجعين حتى إذا كانوا دون مكة بساعة.
[١] أخرجه البخاري ٨/ ٢٩٢ كتاب التفسير و قال الحافظ: وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مقطعا.
[٢] قال ابن حجر في الفتح ٨/ ٢٩٣ عند الكلام على حديث الغرانيق: أخرجه البزار و ابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في إسناده «عن سعيد بن جبير عن ابن عباس» فيما أحسب، ثم ساق الحديث، و قال البزار: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد و هو ثقة مشهور، قال: و إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس انتهى. و الكلبي متروك و لا يعتمد عليه، و كذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي، و ذكره ابن إسحاق في السيرة مطولا و أسندها عن محمد بن كعب، و كذلك موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري، و كذا ذكره أبو معشر في السيرة له عن محمد بن كعب القرظي و محمد بن قيس و أورده من طريقه الطبري، و أورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي، و رواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب عن يحيى بن كثير عن الكلبي عن أبي صالح و عن أبي بكر الهذلي و أيوب عن عكرمة و سليمان التيمي عمن حدثه ثلاثتهم عن ابن عباس، و أوردها الطبري أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس، و معناهم كلهم في ذلك واحدا، و كلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف و إما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين أحدهما ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوهن، و الثاني ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان و حماد بن سلمة فرقهما عن داود