سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٤ - الباب السادس عشر في الهجرة الأولى إلى الحبشة و سبب رجوع من هاجر إليها من المسلمين و كانت في شهر رجب سنة خمس من المبعث
فأخبرته بما رأيت من رقّة عمر فقال: ترجّين أن يسلم؟ و اللَّه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب! و سهيل بن بيضاء و أبو سبرة بن أبي رهم العامري و يقال بدله: حاطب بن عمرو العامري. زاد بعضهم: و أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو امرأة أبي سبرة بن أبي رهم، و عبد الله بن مسعود و جزم ابن إسحاق بأنه إنما كان في الهجرة الثانية و صححه الحافظ.
قال ابن هشام و كان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر لي و أنكر ذلك الزّهري و قال:
لم يكن لهم أمير.
فخرجوا متسلّلين سرّا حتى أتوا الشعيبية منهم الراكب و منهم الماشي، و وفق اللَّه للمسلمين ساعة جاءوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار و خرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا.
قالوا: و قدمنا أرض الحبشة فجاورنا بها خير جار أمنّا على ديننا و عبدنا اللَّه تعالى لا نؤذى و لا نسمع شيئا نكرهه.
و كان المشركون يقولون: لو ذكر محمد آلهتنا بخير قرّرناه و أصحابه و لكنه لا يذكر من خالفه من اليهود و النصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم.
و كان رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قد اشتد عليه ما نال أصحابه من أذاهم و تكذبيهم و أحزنته ضلالتهم، و كان يتمنى هداهم، فاتفق أنه قرأ يوما سورة النجم و كان يرتل قراءته فلما بلغ:
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم ١٩، ٢٠] ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها: و إنهن الغرانيق العلا و إنّ شفاعتهن لترتجى. محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أشاعها فوقعت في قلب كل مشرك بمكة و زلّت بها ألسنتهم و تباشروا بها و قالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا.
فلما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) آخر النّجم سجد و سجد معه كلّ مشرك غير الوليد بن المغيرة
كان شيخا كبيرا ملأ كفّه ترابا فسجد عليه فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود بسجود النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و عجب المسلمون لسجود المشركين معهم و لم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان كما قاله موسى بن عقبة، و أما المشركون فاطمأنوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه.
و فشت تلك الكلمة في الناس و أظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة و من بها من المسلمين.
و لما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك ساءه فأنزل اللَّه تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي في قراءته كما قال الفرّاء و يؤيده ما رواه ابن جرير و علقه البخاري في صحيحه عن ابن عباس في قوله تعالى: إِذا