سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - تفسير الغريب
و روى هشام بن محمد بن السائب عن عديّ بن حاتم [١] قال: كان لي عسيف من كلب يقال له حابس بن دغنّة فبينا أنا ذات يوم إذا به مروّع الفؤاد فقال: دونك إبلك. فقلت: ما هاجك؟ فقال بينا أنا بالوادي إذا أنا بشيخ من شعب جبل تجاهي كأن رأسه رخمة فانحدر عما تزلّ عنه العقاب و هو مترسّل غير منزعج حتى استقرت قدماه في الحضيض و أنا أعظم ما أرى فقال.
يا حابس بن دغنة يا حابس* * * لا تعرضن لفعلك الوساوس
هذا سنا النّور بكفّ قابس* * * فاجنح إلى النّور و لا تعابس
قال: ثم غاب فروّحت إبلي و سرّحتها إلى غير ذلك الوادي، ثم اضطجعت فإذا راكب قد ركضني فاستيقظت فإذا هو صاحبي و هو يقول:
يا حابس اسمع ما أقول ترشد* * * ليس ضلول حائز كمهتد
لا تتركن نهج الطّريق الأقصد* * * قد نسخ الدّين بدين أحمد
قال: فأغمي عليّ ثم أفقت.
و روى ابن دريد في الأخبار المنثورة عن ابن الكلبي قال: كان خنافر بن التوأم كاهنا، فنزل واديا مخصبا و كان له رئيّ في الجاهلية ففقده في الإسلام قال: فبينا أنا ليلة في الوادي إذ هوى عليّ هويّ العقاب قال خنافر: فقلت: شصار؟ قال: اسمع أقل. قلت: قل أسمع. قال: عه تغنم لكل ذي أمد نهاية، و كل ذي ابتداء إلى غاية. قلت: أجل. قال: كلّ دولة إلى أجل، ثم يتاح لها حول، و قد انتسخت النّحل و رجعت إلى حقائقها الملل، إني آنست بالشام نفرا من آل العوام، حكّاما على الحكام، يردّدون ذا رونق من الكلام، ليس بالشعر المؤلّف. و لا السّجع المتكلّف، فأصغيت فزجرت، فعاودت فظلعت، فقلت: بم تهينمون، و إلام تعتزون، فقالوا خطاب كبار. جاء من عند الملك الجبّار، فاسمع يا شصار، لأصدق الأخبار، و أسلك واضح الأخيار، تنج من أوار النار.
فقلت: و ما هذا الكلام؟ قالوا: فرقان بين الكفر و الإيمان. أتى به رسول اللّه من مضر، ثم من أهل المدر، ابتعث فظهر. فجاء بقول قد بهر، و أوضح نهجا قد دثر، فيه مواعظ لمن اعتبر.
[١] عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعيد بن حشرج بن إمرئ القيس بن عدي الطّائي الجواد ابن الجواد. وفد في شعبان سنة سبع، قيل: لما وفد نزع له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و سادة كانت تحته فألقاها له حتى جلس عليها. و لما ارتدّت العرب ثبت عدي و قومه على الإسلام، و شهد فتح المدائن، و شهد مع علي حروبه. و كان أول صدقة قدم بها على أبي بكر صدقة عدي و قومه. و فقئت عينه يوم الجمل. عاش مائة و عشرين سنة. قال ابن سعد: توفى سنة ثمان و ستين. [انظر الخلاصة ٢/ ٢٢٣/ ٢٢٤.]