سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٩ - تفسير الغريب
قال: قلت دعني أنام فإني أمسيت ناعسا. فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله و قال: قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي و اعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤيّ بن غالب يدعو إلى اللَّه و إلى عبادته ثم أنشأ يقول:
عجبت للجنّ و تجساسها* * * و شدّها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكّة تبغي الهدى* * * ما خيّر الجنّ كأنجاسها
فارحل إلى الصّفوة من هاشم* * * و ارم بعينيك إلى رأسها
[١] فقمت و قلت: و قد امتحن اللَّه قلبي. فرحلت ناقتي ثم أتيت المدينة فإذا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه حوله فدنوت منه فقلت: اسمع مقالتي يا رسول اللَّه. قال: هات.
فأنشأت أقول:
أتاني رئيّي بعد هدء و رقدة* * * و لم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كلّ ليلة* * * أتاك رسول اللَّه من لؤيّ بن غالب
فشمّرت عن ذيل الإزار و وسّطت* * * بي الذّعلب الوجناء بين السّباسب
فأشهد أنّ اللَّه لا ربّ غيره* * * و أنّك مأمون على كلّ غائب
و أنّك أدنى المرسلين وسيلة* * * إلى اللَّه يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك من وحي ربّنا* * * و إن كان فيما جاء شيب الذّوائب
و كن لي شفيعا حين لا ذو قرابة* * * بمغن قتيلا عن سواد بن قارب
[٢] قال: ففرح رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رئي الفرح في وجوههم.
قال عبد الله: فقال عمر عند ذلك يحدّث الناس: و اللَّه إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش يقال لهم آل ذريح قد ذبح لهم رجل من العرب عجلا فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت قط أنفذ منه و ذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه و هو يقول يا آل ذريح. و في لفظ. يا جلبح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول.
لا إله إلا اللَّه.
[١] الأبيات في الروض الأنف ١/ ٢٤٣.
عجبت للحين و تنفارها* * * و شدها العيس بأكوارها
تهوي إلى كلمة تبغي الهوى* * * ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم* * * ليس قداماها كأدبارها
[٢] الأبيات في الروض الأنف ١/ ٢٤٤.