سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٣٩ - الباب الحادي و الثلاثون في سفر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الطائف
مكانهما لما يعلم من عداوتهما للَّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما اطمأن في ظل الجبلة قال ما سيأتي.
و روى الطبراني برجال ثقات عن عبد الله بن جعفر رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لما انصرف عنهم أتى ظلّ شجرة فصلى ركعتين ثم قال: «اللهم إني أشكوا إليك ضعف قوّتي و قلة حيلتي و هواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين و أنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني أو إلى عدوّ ملكته أمري إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبال و لكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحلّ علي سخطك لك العتبى حتى ترضى و لا حول و لا قوة إلا بك».
فلما رآه ابنا ربيعة و ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما يقال له عدّاس فقالا له: خذ له هذا القطف من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل عدّاس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ثم قال له: كل. فلما وضع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يده قال بسم اللَّه. ثم أكل فنظر عدّاس في وجهه ثم قال: و اللَّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال له رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): و من أيّ البلاد أنت يا عدّاس و ما دينك؟ قال: نصراني و أنا من أهل نينوى. فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من قرية الرجل الصالح يونس ابن متّى. قال له عدّاس: و ما يدريك ما يونس بن متى؟ و اللَّه لقد خرجت منها- يعني من أهل نينوى- و ما فيها عشرة يعرفون ما يونس بن متّى فمن أين عرفت أنت يونس بن متى و أنت أمّي و في أمّة أمّيّة. قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ذاك أخي كان نبيا و أنا نبي. فأكبّ عدّاس على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقبل رأسه و يديه و قدميه فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عدّاس قالا له: ويلك! ما لك تقبّل رأس هذا الرجل و يديه و قدميه؟
قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي. قال:
ويحك يا عدّاس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه.
و قال عدّاس لسيديه لما أرادا الخروج إلى بدر و أمراه بالخروج معهما فقال لهما: قتال ذلك الرجل الذي رأيت في حائطكما تريدان؟ فو اللَّه ما تقوم له الجبال. فقالا: ويحك يا عدّاس قد سحرك بلسانه.
فانصرف رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عنهم و هو محزون لم يستجب له رجل واحد و لا امرأة.
و قال خالد العدواني: إنه أبصر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في سوق ثقيف و هو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقول: وَ السَّماءِ وَ الطَّارِقِ حتى ختمها قال فوعيتها في الجاهلية و أنا مشرك ثم قرأتها في الإسلام.
قال فدعتني ثقيف فقالوا ما ذا سمعت من هذا الرجل فقرأتها عليهم. فقال من معهم من