سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - فصل في الكلام على أحاديث النهي عن استغفار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لأبويه
أجمعين و قالت لحليمة حين جاءت به و قد شقّ صدره و هي مذعورة: أ خشيتما عليه الشيطان؟
كلّا و اللَّه ما للشيطان عليه سبيل و إنه لكائن لابني هذا شأن. في كلمات أخرى من هذا النمط، و قدمت به المدينة عام وفاتها و سمعت كلام اليهود فيه و شهادتهم له بالنبوة و رجعت به فماتت في الطريق. فهذا كله مما يؤيد أنها تحنّفت في حياتها.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): فإن قلت كيف قررت أنها كانت موحّدة في حياتها و متحنّفة و قد صح أنه استأذن ربّه في الاستغفار لها فلم يؤذن له. و
قوله في الحديث «أمّي مع أمكما»
يؤذن بخلاف ذلك وهبك أجبت عنهما فيما يتعلق بحديث الإحياء بأنهما متقدمان في التاريخ و ذاك متأخر فكان ناسخا، فما تقول في هذا؟ فإن الموت على التوحيد ينفي التعذيب البتة؟.
قلت: أما حديث:
«أمّي مع أمّكما» و إن صححه الحاكم،
فقد تقرر في علوم الحديث أن الحاكم يتساهل في التصحيح. و قال الذهبي بعد قول الحاكم في هذا الحديث: إنه صحيح: قلت: لا و اللَّه فإن عثمان بن عمير ضعّفه الدارقطنيّ. فبيّن الذهبي ضعف الحديث و حلف عليه يمينا. و على تقدير أن يكون صحيحا فأحسن ما يقرّر به الجواب أن يقال: إن قوله «أمّي مع أمّكما» صدر قبل أن يوحى إليه أنها من أهل الجنة، كما
قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا أدري تبّعا كان نبيّا أم لا» [١] رواه الحاكم و ابن شاهين من حديث أبي هريرة.
و قال (صلّى اللّه عليه و سلم) بعد أن أوحى إليه في شأنه: «لا تسبّوا تبعا فإنه كان قد أسلم» [٢] رواه ابن شاهين في نسخه من حديث سهل ابن سعد و ابن عباس.
و كأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أولا لم يوح إليه في شأنها شيء و لم يبلغه الذي قالته عند موتها و لا تذكّره فإنه كان إذ ذاك ابن خمس سنين، فأطلق القول بأنها مع أمهما جريا على قاعدة أهل الجاهلية، ثم أوحى إليه في أمرها بعد ذلك.
و يؤيد ذلك أن في آخر الحديث نفسه
«ما سألتهما ربي»
فهذا يدل على أنه لم يكن بعد وقعت بينه و بين ربه مراجعة في أمرها ثم وقع بعد ذلك. و أما عدم الإذن في الاستغفار فلا يلزم منه الكفر بدليل أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان ممنوعا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك وفاء و من الاستغفار له و هو من المسلمين، و علّل ذلك بأن استغفاره مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلى منزله الكريم في الجنة و المديون محبوس عن مقامه حتى يقضى دينه كما ورد في الحديث «نفس المؤمن معلّقة بدينه حتى يقضى» فقد تكون أمّ
[١] ذكره ابن كثير في البداية و النهاية ٢/ ١٠٣.
[٢] أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٤٠ و الطبراني في الكبير ٦/ ٢٥٠ و ذكره ابن كثير في البداية و النهاية ٢/ ١٦٦ و السيوطي في الدر ٦/ ٣١ و الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٦.