سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٧١ - الباب الخامس عشر في بنيان قريش الكعبة
الأساس أساس إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها ببعض، فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته بين حجرين منها ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجر تنقّضت مكة بأسرها و أبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل فانتهوا عن ذلك الأساس.
و وجدت قريش في الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فإذا هو: أنا اللَّه ذو بكّة، خلقتها يوم خلقت السموات و الأرض و صورت الشمس و القمر، و حففتها بسبعة أملاك حنفاء لا يزول أخشباها يبارك لأهلها في الماء و اللبن.
و وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة اللَّه الحرام يأتيها من ثلاثة سبل، لا يحلّها أول من أهلها.
و وجدوا آخر مكتوب فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة و من يزرع شرا يحصد ندامة تعملون السيئات و تجزون الحسنات أجل كما يجتنى من الشوك العنب.
ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا و تحالفوا و أعدوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم و بنو عديّ بن كعب على الموت و أدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسمّوا لعقة الدم.
فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا و تناصفوا، فزعم
بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و كان عامئذ أسنّ قريش كلها قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم. فكان أول داخل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين.
رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم و أخبروه الخبر قال (صلّى اللّه عليه و سلم): هلم إليّ ثوبا. فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا. ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده (صلّى اللّه عليه و سلم).
و كانت قريش تسمي رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين.
قال في «الزّهر» و «الإشارة»: و كان ذلك في يوم الاثنين.
و روى يعقوب بن سفيان عن ابن شهاب أن قريشا لما بنوا الكعبة فبلغوا موضع الركن اختصمت في الركن أيّ القبائل تلي رفعه فقالوا: نحكّم أول من يطلع علينا. فطلع عليهم رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو غلام فحكّموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه هو، ثم طفق لا يزداد على السّن إلا رضا حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي، فطفقوا لا ينحرون جزورا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها.