سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - الباب الرابع عشر في مثله و مثل ما بعثه الله تعالى به من الهدي
فقال بعضهم لبعض: لقد أوتي هذا العبد خيرا، ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي، إنّ عينيه نائمتان و قلبه يقظان. ثم قال بعضهم لبعض: هلم فلنضرب له مثلا، فقال بعضهم: اضربوا مثلا و نؤوّل نحن أو نضرب نحن و تؤوّلون أنتم. فقال بعضهم: اسمع سمعت أذنك و اعقل عقل قلبك، إن مثلك- و في لفظ: مثله- كمثل ملك، و في لفظ: رجل. و في لفظ: سيّد ابتنى بنيانا حصينا ثم جعل فيه مأدبة و بعث داعيا- و في لفظ: رسولا- يدعو الناس إلى طعامه و شرابه فمنهم من أجاب الرسول و منهم من تركه، فمن أجابه أكل من طعامه و شرب من شرابه، و من لم يجبه عذّبه عذابا شديدا. أوّلوها له يفقهها. فقال الآخرون: فأما السيّد: فهو ربّ العالمين.
و أما البنيان: فهو الإسلام. و الطعام: الجنة. و الداعي: محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، فمن أطاع محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) فقد أطاع اللَّه و كان في الجنة، و من عصى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) فقد عصى اللَّه و كان في النار، محمد فرّق بين الناس.
قال ابن مسعود: ثم إن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) استيقظ قال: ما رأيت يا بن أمّ عبد؟ هل سمعت ما قال هؤلاء؟ قال عبد الله: رأيت كذا و كذا. قال: هل تدري من هم؟ قلت: اللَّه و رسوله أعلم. قال: المثل الذي ضربوه: الرحمن، بنى الجنة و دعا إليها عباده، فمن أجابه دخل الجنة و من لم يجبه عاقبه و عذّبه، ما خفي عليّ شيء مما قالوا، و هم نفر من الملائكة.
و روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: مثلي و مثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الجنادب و الفراش و هذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها و جعل يحجزهن- و يغلبنه فيقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار و أنتم تقتحمون فيها
[١].
و لفظ مسلم: «فذلك مثلي و مثلكم، أنا آخذ بحجزكم هلمّ عن النار فتغلبونني تقتحمون فيها».
و روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رأى فيما يرى النائم ملكين قعد أحدهما عند رجليه و الآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا و مثل أمته. فقال: مثل هذا و مثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة و لا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذا أتاهم رجل في حلّة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة و حياضا رواء أ تتبعوني؟ فقالوا: نعم فأوردهم رياضا معشبة و حياضا رواء فأكلوا و شربوا و سمتوا فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحالة فجعلتم لي وردت بكم رياضا معشبة و حياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: نعم. فأوردهم
[١] أخرجه البخاري ٤/ ٣١٥ كتاب الأنبياء (٣٤٢٦) و مسلم ٤/ ١٧٨٩ كتاب الفضائل (١٧- ٢٢٨٤).