سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٢ - تفسير الغريب
الزرقاء و معان و قد عرّسنا إذا بفارس يقول و هو بين السماء و الأرض: أيها النّيّام هبّوا فليس هذا بحين رقاد، و قد خرج أحمد و طردت الجن كلّ مطرد. ففزعنا و نحن رفقة حزاورة كلهم قد سمع بهذا، فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
و روى الطبراني و أبو نعيم و البيهقي عن عبد الله العماني أن مازنا الطائي كان بأرض عمان، و كان يسدن الأصنام لأهله، و كان له صنم يقال له بادر. قال مازن: فعترت ذات يوم عتيرة، و هي الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول: يا مازن أقبل إليّ أقبل، تسمع ما لا يجهل، هذا نبيّ مرسل، جاء بحقّ منزل، فآمن به كي تعدل، عن حرّ نار تشعل، و قودها بالجندل.
قال مازن: فقلت و اللَّه إن هذا لعجب. ثم عترت بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا أبين من الأول و هو يقول:
يا مازن اسمع تسرّ،* * * ظهر خير و بطن شرّ
بعث نبيّ من مضر،* * * بدين اللَّه الكبر
فدع نحيتا من حجر،* * * تسلم من حرّ سقر
قال مازن: فقلت و اللَّه إن لهذا لعجب و إنه لخير يراد بي. و قدم علينا رجل من الحجاز فقلت: ما الخبر وراءك؟ قال: خرج رجل بتهامة يقول لمن أتاه: أجيبوا داعي اللَّه يقال له أحمد.
فقلت: هذا و اللَّه نبأ ما سمعت. فرحلت حتى أتيت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فشرح لي الإسلام فأسلمت و قلت:
كسّرت بادر أجذاذا أو كان لنا* * * ربّا نطيف به ضلّا بتضلال
بالهاشميّ هدانا من ضلالتنا* * * و لم يكن دينه منّي على بال
يا راكبا بلّغن عمرا و إخوتها* * * أنّي لمن قال ربيّ بادر قالي
قال مازن: فقلت: يا رسول اللَّه إني امرؤ مولع بالشراب و الطّرب و شرب الخمر و الهلوك من النساء و ألحّت علينا السّنون فأذهبن الأموال و أهزلن الذّراري و الرجال و ليس لي ولد، فادع اللَّه أن يذهب عني ما أجد و يأتيني بالحيا و يهب لي ولدا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن و بالحرام الحلال و أته بالحيا، و هب له ولدا
[١]. قال مازن:
فأذهب اللَّه عني كلّ ما كنت أجد، و أخصب عمان و تزوجت أربع حرائر و وهب لي حيان بن
[١] أخرجه أبو نعيم في الدلائل ١/ ٣٣ و البيهقي في دلائل النبوة ١٢/ ٣٦ و ذكره الهيثمي في الجمع ٨/ ٢٤٨.