سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٥ - الباب الثالث و الثلاثون في عرض النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه و ينصروه و دعائه الناس إلى التوحيد
ثم نهض رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
[١].
و روى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن أبيه، و أبو نعيم عن عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و نحن بعكاظ فقال: من القوم؟ قلنا: من بني عامر بن صعصعة بنو كعب بن ربيعة؟ فقال: إني رسول اللَّه إليكم و أتيتكم لتمنعوني حتى أبلّغ رسالة ربي و لا أكره أحدا منكم على شيء.
قالوا: لا نؤمن بك و سنمنعك حتى تبلّغ رسالات ربك.
فأتاهم بيحرة بن فراس القشيري فقال: من هذا الرجل الذي أراه عندكم أنكره؟ قالوا:
هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: فما لكم و له؟ قالوا: زعم أنه رسول اللَّه فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلّغ رسالة ربه. قال: ما رددتم عليه؟ قالوا: بالرّحب و السعة نخرجك إلى بلادنا و نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال بيحرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشر من شيء ترجعون به! أ تعمدون إلى رهيق قوم طردوه و كذّبوه فتؤووه و تنصروه تنابذوا العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به فبئس الرأي رأيكم. ثم أقبل على رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال:
قم فالحق بقومك فو اللَّه لو لا أنك عند قومي لضربت عنقك.
فقام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى ناقته ليركبها فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فألقته. و عند بني عامر يومئذ ضباعة بنت عامر بن حوط كانت من النسوة اللاتي أسلمن بمكة جاءت زائرة إلى بني عمها فقالت: يا لعامر و لا عامر لي، أ يصنع هذا برسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين أظهركم و لا يمنعه أحد منكم؟
فقام ثلاثة نفر من بني عمها إلى بيحرة و اثنين أعاناه فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطما.
فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): اللهم بارك على هؤلاء و العن هؤلاء. فأسلم الثلاثة الذين نصروه و قتلوا شهداء، و هم غطيف و غطفان ابنا سهل و عروة أو عزرة بن عبد الله، و هلك الآخرون
[٢].
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم أدركته السّنّ حتى لا يقدر أن يوافي معهم موسمهم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدّثوه بما يكون في ذلك في الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا: جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه و نقوم معه و نخرج به إلى بلادنا فوضع الشيخ يده على رأسه،
[١] أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢٣٧).
[٢] أخرجه أبو نعيم في الدلائل (١٠٠) و ابن كثير في البداية و النهاية ٣/ ١٤١.