سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٨٢ - ذكر خبر زيد بن عمرو بن نفيل
الإسلام حتى هلك نصرانيا. و كان يمرّ بأصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و هم بالحبشة فيقول: فقّحنا و صأصأتم. أي أبصرنا و أنتم تلتمسون البصر لم تبصروا بعد. و ذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ لينظر.
و أما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصّر و حسنت منزلته عنده.
و أما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية و لا نصرانية و فارق دين قومه فاعتزل الأوثان و الميتة و الدم و الذبائح التي تذبح على الأوثان و نهى عن قتل الموءودة و قال:
أعبد ربّ إبراهيم و بادى قومه بعيب ما هم عليه.
و عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة و هو يقول: يا معشر قريش و الذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. ثم يقول: اللهم لو أنّي أعلم أيّ الوجوه أحبّ إليك عبدتك به و لكني لا أعلمه. ثم يسجد على راحلته. و كان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك و إن شئت كفيتك مؤنتها.
رواه ابن إسحاق و النسائي و أبو بكر بن أبي داود و علّقه البخاري جازما به [١].
و روى البخاري و البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل عليه الوحي فقدّمت إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال لزيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم و لا آكل إلا ما ذكر اسم اللَّه عليه. و إن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم و يقول: الشاة خلقها اللَّه تعالى و أنزل لها من السماء الماء و أنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم اللَّه تعالى! إنكارا لذلك و إعظاما له [٢].
و روى البخاري في المناقب و في الذبائح من صحيحه و الإسماعيلي و الزبير بن بكّار و الفاكهي عن ابن عمر، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدّين و يبتغيه.
و في لفظ: و يتبعه. فلقى عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إني لعلى أن أدين دينكم.
فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب اللَّه. فقال زيد: ما أفرّ إلا من غضب اللَّه و لا أحمل من غضب اللَّه شيئا أبدا و أنا أستطيعه، فهل تدلّني على غيره؟ قال: ما
[١] أخرجه البخاري ٧/ ١٧٦ كتاب مناقب الأنصار.
[٢] أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار ٧/ ١٧٦ (٣٨٢٦).