سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٤ - تنبيهات
و قال الحافظ (رحمه اللّه تعالى): فإن قيل: إذا كان الرمي بها غلّظ و شدّد بسبب نزول الوحي، فهلا انقطع بانقطاع الوحي بموت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و نحن نشاهدها الآن يرمى بها؟.
فالجواب: يؤخذ من
حديث الزّهري المتقدم، ففيه عند مسلم قالوا: كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم و مات رجل عظيم فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): فإنها لا ترمى لموت أحد و لا حياته، و لكن ربّنا إذا قضى أمرا أخبر أهل السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا فتخطف الجنّ السمع فيقذفون به إلى أوليائهم
[١].
فيؤخذ من ذلك أن سبب التغليظ و الحفظ لم ينقطع لما يتجدد من الحوادث التي تلقى بأمره إلى الملائكة، و أنّ الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد المبعث لم ينقطع طمعهم من استراق السمع في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فكيف بما بعده؟ و قد قال عمر لغيلان لما طلّق نساءه: إني أحسب أن الشياطين فيما تسترق من السّمع سمعت بأنك ستموت فألقت إليك ذلك الحديث. رواه عبد الرزاق و غيره. فهذا ظاهر في أن استراقهم للسمع استمرّ بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و كانوا يقصدون استماع الشيء مما يحدث فلا يصلون إلى ذلك إلا أن يخطف أحدهم بخفة حركته خطفة فيتبعه الشهاب فإن [٢] أصابه قبل أن يلقيها لأصحابه مات و إلا سمعوها و تداولوها.
الرابع: هل كانت الشياطين تقذف بالشهب قبل المبعث أم حدث القذف بها بعده؟.
اختلف العلماء رضي اللَّه تعالى عنهم في ذلك على قولين:
نقل أبو عبد الله القرطبي (رحمه اللّه تعالى) في تفسيره عن الأكثرين الأول. و به جزم السّهيلي و الشيخ عز الدين بن عبد السلام (رحمه اللّه تعالى) في أماليه و تلميذه الشيخ أبو شامة في شرح الشقراطيسية و غيرهم و صححه غير واحد و احتجوا بقوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ [الصافات ٦: ٨] و بقوله تبارك و تعالى: وَ حَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [الحجر ١٧، ١٨].
قال الزركشي في شرح البردة: فهذه الآيات تدل على وجود الرجم قبل المبعث، لأنها خلقت لذلك. و كذا قوله تعالى وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً [الجن ٨] و هذا إخبار عن الجن أنه كان الرجم موجودا لكنه ليس يستأصل و أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت.
[١] ذكره المتقي الهندي في الكنز (١٧٦٧٤). و ابن الجوزي في زاد المسير ٤/ ٣٨٩.
[٢] في أ فإذا.