سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٥ - تنبيهات
و قال الإمام العلامة شمس الدين الهروي في شرح مسلم: و في هذه الآية دليل على أن الحادث هو الملأ و الكثرة، و أنهم كانوا في الأول يقعدون من السماء مقاعد لاستراق السمع و يجدون بعض المقاعد غير خالية من الحرس و الشّهب، و الآن ملئت المقاعد كلها و لم يبق مقعد من المقاعد خاليا. و أيضا فإن اللَّه سبحانه و تعالى ذكر فائدتين في خلق الكواكب في قوله: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك ٥] و في قوله تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ.
و روى عبد الرزاق في تفسيره عن معمر قال: قلت للزّهري: أو كان يرمى به- أي النجم- في الجاهلية؟ قال نعم. قلت: يقول اللَّه عز و جل وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً قال: غلّظت و شدّد أمرها حين بعث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
قال البيهقي: و هذا يوافق ظاهر القرآن لأنه خبرا عن الجن: وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً: و أخبرت الجن أنه زيد في حراسة السماء و شهبها حتى امتلأت منها و منهم. و في ذلك دليل على أنه كان قبل ذلك فيها حرّاس و شهب معدّة معهم.
و استدلوا أيضا بما
رواه مسلم عن ابن عباس قال: بينما النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار، فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه؟»
و تقدم بتمامه.
و استدلوا أيضا بما جاء في أشعار العرب القديمة من ذكر ذلك، كأوس بن حجر و عوف بن الجذع و بشر بن أبي خازم.
و رجّح جماعة الثاني و هو الذي صحّ عن ابن عباس و به قال أبيّ بن كعب و الشّعبي و نافع بن جبير و صححه أبو عثمان الجاحظ و مال إليه أبن الجوزيّ و غيره، و استدلوا بأن ذلك ظاهر الأخبار لإنكار الشياطين للرمي و طلبهم بسببه و لهذا كانت الكهانة فاشية في العرب و مرجوعا إليها حكمهم، حتى قطع سببها بأن حيل بين الشياطين و بين استراق السمع.
و جمع المحققون بين الأخبار فقال القرطبي: يجمع بأنها لم يكن يرمى بها قبل المبعث رميا يقطع الشياطين عن استراق السمع، و لكن ترمى تارة و لا ترمى أخرى، و ترمى من جانب و لا ترمى من جانب، و لا ترمى من جميع الجوانب. و لعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً.
و قال في موضع آخر: لا يبعد أن يقال: انقضاض الكواكب كان في قديم الزمان، و لكنه لم يكن رجوما للشياطين ثم صار رجوما حين ولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) انتهى و في هذا نظر.