سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٦ - الباب الثالث و الثلاثون في عرض النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نفسه الكريمة على القبائل ليؤووه و ينصروه و دعائه الناس إلى التوحيد
ثم قال: يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذنا بها من مطلب! و الذي نفسي بيده ما تقوّلها إسماعيليّ قط كاذبا و إنه لحقّ، فأين رأيكم كان عنكم.
و روى أبو نعيم عن خالد بن سعيد عن أبيه عن جده أن بكر بن وائل قدم مكة في الحج فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لأبي بكر: ايتهم و اعرض عليهم. فأتاهم فعرض عليهم. فقالوا: حتى يجيء شيخنا حارثة. فلما جاء قال: إن بيننا و بين الفرس حربا فإذا فرغنا مما بيننا و بينهم عدنا فنظرنا فيما تقول فلما التقوا بذي قارهم و الفرس قال لهم شيخهم: ما اسم الرجل الذي دعاكم إلى ما دعاكم إليه؟ قالوا: محمد. قال: فهو شعاركم. فنصروا على الفرس. فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): بي نصروا.
و روى محمد بن عمر الأسلمي عن جهم بن أبي جهم أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وقف على بني عامر يدعوهم إلى اللَّه تعالى، فقام رجل منهم فقال له: عجبا لك و اللَّه قد أعياك قومك ثم أعياك أحياء العرب كلها حتى تأتينا و تتردّد علينا مرة بعد مرة؟ و اللَّه لأجعلنّك حديثا لأهل الموسم. و نهض إلى رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و كان جالسا فكسر اللَّه ساق الخبيث، فجعل يصيح من رجله و انصرف رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و روى أبو نعيم عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بمنى فدعانا فاستجبنا له، و كان معنا ميسرة بن مسروق العبسي فقال لنا:
أحلف باللَّه لو صدّقنا هذا الرجل و حملناه حتى نحلّ به وسط رحالنا لكان الرأي، فأحلف باللَّه ليظهرّن أمره حتى يبلغ كلّ مبلغ فأبى القوم و انصرفوا. فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فدك فإن بها يهود نسألهم عن هذا الرجل. فمالوا إلى يهود فأخرجوا سفرهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) النبي الأمي العربي يركب الحمار و يجتزئ بالكسرة، و ليس بالطويل و لا بالقصير و لا بالجعد و لا بالسّبط في عينيه حمرة مشرب اللون. قالوا: فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه و ادخلوا في دينه فإنا نحسده و لا نتبعه و لنا منه في مواطن بلاء عظيم، و لا يبقى أحد من العرب إلا اتبعه أو قتله. فقال ميسرة: يا قوم إن هذا الأمر بيّن فأسلم ميسرة.
و روى أبو نعيم عن ابن رومان و عبد الله بن أبي بكر و غيرهما قالوا: جاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كندة في منازلهم فعرض نفسه عليهم فأبوا. فقال أصغر القوم: يا قوم اسبقوا إلى هذا الرجل قبل أن تسبقوا إليه، فو اللَّه إن أهل الكتاب ليحدثونا أن نبيّا يخرج من الحرم قد أظلّ زمانه فأبوا.
و روى البيهقي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجّا أو معتمرا، و كان سويد إنما يسميه قومه الكامل لجلده و شعره و شرفه و نسبه، و هو الذي يقول:
ألا ربّ من تدعو صديقا و لو ترى* * * مقالته بالغيب ساءك ما يفري