سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩١ - الباب التاسع عشر في رجوع القادمين من الحبشة إليها و الهجرة الثانية
جاء به من اللَّه تعالى، فعبدنا اللَّه تعالى وحده و لم نشرك به شيئا و حرّمنا ما حرم اللَّه علينا و أحللنا ما أحلّ لنا فعدا علينا قومنا فعذّبونا و فتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه و أن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا و ظلمونا و ضيقوا علينا و حالوا بيننا و بين ديننا خرجنا إلى بلادك و اخترناك على من سواك و رغبنا في جوارك و رجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به من شيء فقال له جعفر: نعم. قال فاقرأه عليّ.
فقرأ عليه صدرا من «كهيعص» فبكى و اللَّه النجاشيّ حتى أخضل لحيته و بكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما يتلى عليهم.
ثم قال له النجاشي: إن هذا و الذي جاء به موسى ليخرج عن مشكاة واحدة.
ثم قال النجاشي لعمرو: أ عبيدهم لكم؟ قال: لا. قال: أ فلكم عليهم دين؟ قال: لا.
قال: انطلقا فواللَّه لا أسلمهم إليكما أبدا و لا يكادون.
فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: و اللَّه لآتينّه عنهم غدا بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عمارة لا تفعل فإن لهم أرحاما و إن كانوا قد خالفونا. قال: و اللَّه لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
ثم غدا إلى النجاشي فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فاسألهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم ليسألهم عنه فاجتمع المسلمون و لم ينزل بهم مثلها. فقال بعضهم لبعض: ما ذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ فقالوا: نقول و اللَّه ما قال اللَّه تعالى و ما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. فقال جعفر: لا يتكلم أحد أنا خطيبكم.
فلما دخلوا عليه فإذا هو جالس في مجلسه و عمرو بن العاص عن يمينه و عمارة عن شماله و القسيسون جلوس سماطين، فقال لجعفر و أصحابه: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، نقول هو عبد اللَّه و رسوله و روحه و كلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي بيده الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، يا معشر القسيسين و الرهبان و اللَّه ما يزيدون على الذي فيه. فتناحرت بطارقته حوله حين قال ما قال فقال: و إن نخرتم و اللَّه.
ثم قال: مرحبا بكم و بمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول اللَّه و أنه الذي نجد في الإنجيل، و أنه الرسول الذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، و اللَّه لو لا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه. و أمر لنا بطعام و كسوة، ثم قال: اذهبوا فأنتم آمنون. من سبّكم غرم، من سبّكم غرم، من سبّكم غرم. قالها ثلاثا. فما أحبّ أن لي جبلا من ذهب و أني آذيت رجلا منكم.