سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٢ - الباب التاسع عشر في رجوع القادمين من الحبشة إليها و الهجرة الثانية
و في رواية أن النجاشي قال للمسلمين: أ يؤذيكم أحد؟ قالوا: نعم. فأمر مناديا ينادي: من آذى أحدا منهم فأغرموه أربعة دراهم. ثم قال: أ يكفيكم؟ قلنا: لا. قال: فأضعفوها.
و عند موسى بن عقبة: من نظر إلى هؤلاء نظرة تؤذيهم فقد غرم. أي فقد عصاني.
ثم قال: ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها فو اللَّه ما أخذ اللَّه منيّ الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، و ما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه.
فخرجا من عنده مقبوحين مردود عليهما ما جاءا به.
ثم إن الحبشة اجتمعت فقالت للنجاشي: إنك فارقت ديننا- و خرجوا عليه فأرسل إلى جعفر و أصحابه فهيّأ لهم سفنا و قال: اركبوا فيها و كونوا كما أنتم فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا حيث شئتم، و إن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله و أن عيسى عبده و رسوله و روحه، و كلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن و خرج إلى الحبشة و صفّوا له صفين فقال: يا معشر الحبشة أ لست أحقّ الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة؟
قال فما لكم؟ قالوا: فارقت ديننا و زعمت أن عيسى عبد، هو ابن اللَّه. فقال النجاشي و وضع يده على صدره على قبائه: هو يشهد أن عيسى ابن مريم لم يزد على هذا. و إنما يعني ما كتب.
فرضوا عنه و انصرفوا.
قالت أم سلمة: فأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، فو اللَّه إنّا على ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فو اللَّه ما حزنّا قطّ حزنا كان أشدّ من حزن حزنّاه عند ذلك تخوّفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. و سار إليه و بينهما عرض النّيل، فقال أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): من رجل ينطلق حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوّام: أنا. قالوا: فأنت. و كان من أحدث القوم سنّا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليهم حتى خرج إلى ناحية النّيل التي بها يلتقي القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.
و قالت: و دعونا اللَّه للنجاشيّ بالظهور على عدوّه و التمكين له في بلاده.
قالت: فو اللَّه إنّا على ذلك متوقعون لما هو كائن إذ طلع الزبير بن العوّام يسعى فلمع بثوبه و هو يقول: أبشروا فقد ظهر النجاشيّ و أهلك اللَّه عدوّه. قالت: فو اللَّه ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. و رجع النجاشي و قد أهلك اللَّه عدوّه و مكّن له في بلاده و استوسق عليه أمر الحبشة، و كنا عنده في خير منزل.
و روى الطبراني برجال الصحيح عن أبي موسى الأشعري، و الطبراني و أبو الفرج الأموي