سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٠ - الباب التاسع عشر في رجوع القادمين من الحبشة إليها و الهجرة الثانية
و جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن و لا أنتم و قد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلّمهم إلينا و لا يكلمهم فإن قومهم أعلى و أعلم بما عابوهم فيه. فقالوا: نعم.
ثم إنهما لمّا دخلا على النجاشي سجدا له و قدّما له هداياهما فقبلها ثم قالا له: أيها الملك إنّ نفرا من بني عمنا سفهاء فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينكم جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن و لا أنت، و قد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم لتردّهم عليهم فهم أعلى و أعلم بهم عينا و بما عابوا عليهم و بما عيّبوهم فيه.
و لم يكن شيء أبغض إلى عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد من أن يسمع النجاشيّ كلام جعفر و أصحابه فقال بطارقته: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا و أعلم بما عابوا عليهم. فأسلمهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم و قومهم.
قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك. فغضب النجاشي ثم قال: لاها اللَّه إذن لا أسلمهم إليهما و لا يكاد قوم جاوروني و نزلوا بلادي و اختاروني على من سواي حتى أدعوهم فاسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما و رددتهم إلى قومهم، و إن كانوا غير ذلك منعتهم منهم و أحسنت جوارهم ما جاوروني.
ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول و اللَّه ما علمنا و ما أمرنا به نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم) كان في ذلك ما هو كائن. فقال جعفر بن أبي طالب: أنا خطيبكم اليوم.
و قد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فدخل جعفر و تبعه المسلمون فسلّم فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ قال جعفر: إنا لا نسجد إلا للَّه عز و جل. فقال النجاشي ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم و لم تدخلوا في ديني و لا في دين أحد من أهل هذه الملل.
فقال جعفر: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام و نسيء الجوار و يأكل القويّ الضعيف، فكنّا على ذلك حتى بعث اللَّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا إلى اللَّه لنوحّده و نعبده و نخلع ما كنا نعبد نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة و الأوثان، و أمرنا أن نعبد اللَّه وحده لا نشرك به شيئا، و أمرنا بالصلاة و الزكاة و الصيام. فعدّد عليه أمور الإسلام. ثم قال: و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرّحم و حسن الجوار و الكفّ عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش و قول الزور و أكل مال اليتيم و قذف المحصنات، فصدّقناه و آمنا به و اتبعناه على ما