سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - تنبيهات في بعض فوائد الحديث
الصفة بحرف الجمع و كأن معناه: إن الجامعين و الجامعات لهذه الطاعات أعدّ اللَّه لهم.
و أيضا أن أصل التمثيل مركّب من أمرين: الهدى و العلم لتغايرهما في الاعتدال، و يعضده مراعاة معنى التقابل بين الكلامين من إثبات الكلأ و إمساك الماء في إحداهما و نفيهما في الآخر على سبيل الحصر بقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «إنما هي قيعان» ثم تعقيبهما بالتفصيل في
قوله: «فذلك مثل من فقه في دين اللَّه و نفعه»
إلى آخر الحديث لأنه ذكر المثل فيه مرتين.
و يؤيده ما ذكر النووي أن رعوا بالراء من الرعي. هكذا هو في جميع نسخ مسلم. و وقع في البخاري: «و زرعوا» و كلاهما صحيح. و إنما قلنا هذه الرواية تؤيد ما ذكرنا لأن في الكلام حينئذ لفّا و نشرا فإن
«رعوا»
مناسب لأنبتت الكلأ و
«فشربوا و سقوا»
للأجادب و أمسكت الماء.
فيكون الضمير في نفع اللَّه بها ل
«أرض»
[١] و معنى كليهما صحيح، لأن زرعوا متعلّق بالأول لا بالأجادب فإنه لا تكفي الشرب و السّقي فضلا عن الزرع.
فعلى هذا يكون قد ذكر في الحديث الطرفان: الغالي في الاهتداء و الغالي في الضلال، فعبّر عمن قبل هدى اللَّه و العلم بقوله: «فقه في الدين» إلى آخره. و كنى عمن أبى قبولهما بقوله «لم يرفع بذلك رأسا» و بقوله و لم يقبل هدى اللَّه لأن الثاني عطف تفسيريّ للأول، و ترك الوسط و هو قسمان: أحدهما: الذي ينتفع بالعلم في نفسه فحسب، و الثاني: الذي لم ينتفع هو بنفسه و لكن نفع الغير.
و في الحديث إشعار بأن الاستعدادات ليست بمكتسبة، بل هي مواهب ربّانية يختصّ بها من يشاء، و كمالها أن يفيض اللَّه تعالى عليها من المشكاة النبوية، فإذا وجد من يشتغل بغير الكتاب و السّنة و ما والاهما علم أنه تعالى لم يرد به خيرا، فلا يعبأ باستعداده الظاهر، و أن الفقيه هو الذي علم و عمل و علّم و فاقد أحدها فاقد هذا الاسم، و أن العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعلمه كما يفيدهم بعمله، و لو أفاد بالعمل فحسب لم يحظ منه بطائل كأرض معشبة لا ماء فيها فلا يمرى مرعاها و لو اقتصر على القول لأشبه السّقي مجرّدا عن الرعي، فيشبه أخذه المستسقي، و لو منعهما معا كان كأرض ذات ماء و عشب حماها بعض الظّلمة عن مستحقّيها كما قال القائل:
و من منح الجهّال علما أضاعه* * * و من منع المستوجبين فقد ظلم
الطائفة، هنا: القطعة من الأرض.
قبلت: بفتح القاف و كسر الموحدة من القبول.
[١] في أ لأرضا.