سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - تنبيهات
و هذا ظاهر كلام الشقراطيسي فإنه لما جعل ثواقب الشهب رامية بالشّعل دلّ على أن الشهب عنده هي النجوم المرصدة لذلك. ثم قال: و المصابيح هي النجوم التي جعلها اللَّه تعالى راجمة للشياطين بالشهب، لأنّ النجوم تنقض بأنفسها خلف الشياطين. ثم نقل كلام الحليميّ ثم قال: لا خفاء أنه قد جاء الرمي بالنجوم مصرّحا في الأحاديث و في شعر العرب القديم. ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: أخبرني رجال من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من الأنصار قالوا: بينما هم جلوس مع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رمي بنجم فاستنار [١]. الحديث.
و ذكر عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن الزّهري أنه سئل عن هذا الرمي بالنجوم أ كان في الجاهلية قال: نعم و لكنه إذا جاء الإسلام غلّظ و شدّد.
ثم ذكر أبو شامة شاهدين من كلام العرب القدماء ثم قال: ففي الجمع بين هذين و ما تقدم وجهان: أحدهما أن هذا جاء على حذف المضاف للعلم به و تقديره: رمي بنار نجم و انقضّ انقضاض نار الكواكب و هي الشّعل المعبّر عنها بالشهب. فقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه أن الذي يتبع مسترق السّمع شِهابٌ مُبِينٌ [الحجر ١٨] و قال في موضع آخر:
شِهابٌ ثاقِبٌ [الصافات ١٠] و الشهاب عبارة عن شعلة نار و بها يحصل إحراق الجنِّي.
الوجه الثاني: أن يكونوا أطلقوا لفظ النجوم على الشّهب تجوّزا، كما أطلقوا لفظ الشهب على النجوم لملابسة كلّ واحد منهما الآخر على ما قدّرناه من أن النجوم ترمي الجن بشعل النار.
و قال شيخه الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: إن الذي يرجم به شهب تخلق عند الرّجم. و لذا قال أبو علي في قوله تعالى وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [الملك ٥] الهاء عائدة على السماء، التقدير: و جعلنا شهبها. على حذف المضاف، فصار الضمير للمضاف إليه. انتهى.
الثالث: قال الإمام أبو عبد اللَّه الحليميّ (رحمه اللّه تعالى): فإن قيل هذا القذف كان لأجل النبوة، فلم دام بعد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)؟
فالجواب: أنه دام بدوام النبوة فإن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أخبر ببطلان الكهانة، فلو لم تحرس السماء بعد موته فعادت الجنّ إلى تسمّعها و عادت الكهانة، و لا يجوز ذلك بعد أن بطل لأن قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوة فعادت الكهانة دخلت الشّبهة في ضعفاء المسلمين و لم يؤمن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوة، فصحّ أن الحكمة تقتضي دوام الحراسة في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و بعد وفاته.
[١] أخرجه مسلم ٤/ ١٧٥٠ (١٢٤- ٢٢٢٩).