السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤ - غزوة الحديبية
قال: و قال المسلمون: قد خلص عثمان إلى البيت فطاف به دوننا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ما أظنه طاف بالبيت و نحن محصورون، و قال: و ما يمنعه يا رسول اللّه و قد خلص إليه، قال: ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف، لو مكث كذا و كذا سنة ما طاف به حتى أطوف، فلما رجع عثمان و قالوا له في ذلك:
أي قالوا له طفت بالبيت، قال بئسما ظننتم بي، دعتني قريش إلى أن أطوف بالبيت فأبيت، و الذي نفسي بيده لو مكثت بها معتمرا سنة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مقيما بالحديبية ما طفت حتى يطوف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ا ه.
و كانت قريش قد احتبست عثمان عندها ثلاثة أيام، فبلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن عثمان رضي اللّه عنه قد قتل، أي و كذا قتل معه العشرة رجال الذين دخلوا مكة أيضا؛ فقال (صلى اللّه عليه و سلم) عند بلوغه ذلك: لا نبرح حتى نناجز القوم: أي نقاتلهم، و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الناس إلى البيعة، أي بعد أن قال لهم: إن اللّه أمرني بالبيعة. فعن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه: بينما نحن جلوس قائلون إذ نادى منادي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي و هو عمر بن الخطاب: أيها الناس البيعة البيعة، نزل روح القدس فاخرجوا على اسم اللّه، فسرنا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو تحت شجرة فبايعناه، أي و بايعه الناس على عدم الفرار، و أنه إما الفتح و إما الشهادة، و هذا هو المراد بما جاء في بعض الروايات، فبايعناه على الموت و لم يتخلف منا أحد إلا الجدّ بن قيس، قال: لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته يستتر بها من الناس. و قد قيل إنه كان يرمي بالنفاق، و قد نزل في حقه في غزوة: أي غزوة تبوك من الآيات ما يدل على ذلك كما سيأتي، و هو ابن عمة البراء بن معرور رضي اللّه عنه، و كان سيد بني سلمة بكسر اللام في الجاهلية، و قد قال (صلى اللّه عليه و سلم) لبني سلمة: «من سيدكم؟ قالوا الجدّ بن قيس: أي على بخل فيه قال: و أيّ داء أدوأ من البخل؛ ثم قال (صلى اللّه عليه و سلم): بل سيدكم عمرو بن الجموح. و قيل قالوا: يا رسول اللّه من سيدنا؟ قال: سيدكم بشر بن البراء بن معرور و هذا قال ابن عبد البر إن النفس إليه أميل.
و مما يدل للأوّل ما أنشده شاعر الأنصار رضي اللّه عنهم من قوله:
و قال رسول اللّه و الحق قوله* * * لمن قال منا من تسموه سيدا
فقالوا له جد بن قيس على التي* * * نبخله فيها و إن كان أسودا
فتى ما يخطي خطوة لدنيئة* * * و لا مد يوما ما إلى سوأة يدا
فسود عمرو بن الجموح لجوده* * * و حق لعمرو بالندى أن يسودا
إذا جاءه السؤال أنهب ماله* * * و قال خذوه إنه عائد غدا
و لو كنت يا جد بن قيس على التي* * * على مثلها عمرو لكنت المسوّدا