السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦ - غزوة الحديبية
تضاعف ثواب الأعمال التي تركها بسبب تركها، و هي الطواف.
و ذكر أن قريشا بعثت إلى عبد اللّه بن أبي ابن سلول إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل، فقال له ابنه عبد اللّه رضي اللّه عنه: يا أبت أذكرك اللّه أن لا تفضحنا في كل موطن، تطوف و لم يطف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأبى حينئذ، و قال: لا أطوف حتى يطوف رسول اللّه.
و في لفظ قال: إن لي في رسول اللّه أسوة حسنة، فلما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) امتناعه رضي اللّه عنه أثنى عليه بذلك.
و كانت البيعة تحت شجرة هناك، أي من أشجار السمر. أي و لما جاء عثمان رضي اللّه تعالى عنه بايع تحت تلك الشجرة، و قيل لها بيعة الرضوان، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» رواه مسلم و كانوا ألفا و أربعمائة على الصحيح.
و جاء أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «يا أيها الناس إن اللّه قد غفر لأهل بدر و الحديبية» و تقدم أن الواو بمعنى أو في حديث «لا يدخل النار من شهد بدرا و الحديبية» بدليل رواية مسلم هذه.
و من ثم قال ابن عبد البر (رحمه اللّه): ليس في غزواته (صلى اللّه عليه و سلم) ما يعدل بدرا أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية. و الراجح تقديم غزوة أحد على غزوة الحديبية، و أنها التي تلي بدرا في الفضيلة. و أول من بايعه (صلى اللّه عليه و سلم) سنان بن أبي سنان الأسدي، كذا في الأصل أنه الصواب بعد أن حكي أن أول من بايع أبو سنان، أي و هو ما ذهب إليه في الاستيعاب حيث قال: الأكثر الأشهر أن أبا سنان أول من بايع بيعة الرضوان، أي لا ابنه سنان، و أبو سنان هذا هو أخو عكاشة بن محصن رضي اللّه عنه، و كان أكبر من أخيه عكاشة بعشرين سنة. و ضعفه في الأصل بأن أبا سنان رضي اللّه عنه مات في حصار بني قريظة و دفن بمقبرتهم، أي كما تقدم.
و لما بايعه سنان قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): أبايعك على ما في نفسك، قال: و ما في نفسي؟ قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك اللّه أو أقتل، و صار الناس يقولون له (صلى اللّه عليه و سلم): نبايعك على ما بايعك عليه سنان.
و قيل أول من بايع عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، و قيل سلمة بن الأكوع.
قال: و ذكر أن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه بايع ثلاث مرات: أول الناس، و وسط الناس، و آخر الناس بأمره له (صلى اللّه عليه و سلم) في الثانية و الثالثة بعد قول سلمة له: قد بايعت، فيقول له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): و أيضا، و ذلك ليكون له في ذلك فضيلة، أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أراد أن يؤكد بيعته لعلمه بشجاعته و عنايته بالإسلام و شهرته في الثبات، أي