السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢ - غزوة الحديبية
على ثلاث عشرة دية و دفعها عروة.
و لما أسلم المغيرة قال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «أما الإسلام فأقبل، و أما المال فلست منه في شيء» و فيه أن هذا مال حربي قصد أخذه و التغلب عليهم، إلا أن يقال هؤلاء مؤمنون منه، لأنهم اطمأنوا إليه.
أي و يذكر أن المغيرة بن شعبة هذا رضي اللّه عنه كان من دهاة العرب، و أحصن في الإسلام ثمانين امرأة، و يقال ثلاثمائة امرأة، و قيل ألف امرأة.
قيل لإحدى نساء المغيرة إنه لدميم أعور، فقالت: هو و اللّه عسيلة يمانية في ظرف سوء.
و لما ولي رضي اللّه عنه الكوفة أرسل يخطب بنت النعمان بن المنذر، فقالت لرسوله: قل له ما قصدت إلا أن يقال تزوّج المغيرة الثقفي بنت النعمان بن المنذر، و إلا فأيّ حظ لشيخ أعور في عجوز عمياء، و هذه هي القائلة لسعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه لما وفدت عليه و هو والي الكوفة و أكرمها في دعائها له: ملكتك يد افتقرت بعد غنى، و لا ملكتك يد استغنت بعد فقر، و لا جعل اللّه لك إلى لئيم حاجة، و لا أزال عن كريم نعمة إلا جعلك السبب في عودها إليه، إنما يكرم الكريم الكريم. و المغيرة بن شعبة رضي اللّه عنه أوّل من حيا سيدنا عمر رضي اللّه عنه بأمير المؤمنين.
و عند مجيء عروة أخبر (صلى اللّه عليه و سلم) عروة بما أخبر به من تقدّم من أنه لم يأت لحرب، فقام من عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد رأى ما يصنع به أصحابه. لا يتوضأ: أي يغسل يديه إلا ابتدروا وضوءه؛ أي كادوا يقتتلون عليه، و لا يبصق بصاقا إلا ابتدروه: أي يدلك به من وقع في يده وجهه و جلده، و لا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه أي و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، و لا يحدّون النظر إليه تعظيما له (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه، و قيصر في ملكه، و النجاشي في ملكه، و اللّه ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه. و لقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم فإنه عرض عليكم رشدا فاقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف أن لا تنصروا عليه، فقالت له قريش: لا تتكلم بهذا يا أبا يعفور، و لكن نرده عامنا هذا و يرجع إلى قابل، فقال: ما أراكم إلا ستصيبكم قارعة، ثم انصرف هو و من معه إلى الطائف.
و عروة هذا هو ابن مسعود الثقفي، و هو عظيم القريتين الذي عنته قريش بقولها لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزّخرف: الآية ٣١] و قيل المعنيّ بذلك الوليد بن المغيرة.