السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٩ - فتح مكة شرفها اللّه تعالى
عنها. فأتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك الكتاب، أي و صورة الكتاب: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، و أقسم باللّه لو سار إليكم وحده لينصرنه اللّه تعالى عليكم، فإنه منجز له ما وعده فيكم، فإن اللّه تعالى ناصره و وليه. و قيل فيه: إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) قد نفر فإما إليكم و إما إلى غيركم فعليكم الحذر، و قيل فيه إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد آذن بالغزو و لا أراه إلا يريدكم، و قد أحببت أن تكون لي يد بكتابي إليكم.
أقول: لا مانع أن يكون جميع ما ذكر في الكتاب، بأن يكون فيه: إن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) قد آذن، أي أعلم بالغزو و قد نفر: أي عزم على أن ينفر، فإما إليكم و إما إلى غيركم، و لا أراه إلا يريدكم، و هذا كان قبل أن يعلم بسيره إلى مكة، فلما علم ألحق بالكتاب أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد توجه، أي يريد التوجه إليكم بجيش إلى آخره. و بعض الرواة اقتصر على ما في بعض الكتاب و اللّه أعلم.
فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حاطبا فقال له: أ تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم، فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: و اللّه إني لمؤمن باللّه و رسوله، ما غيرت و لا بدلت. و في لفظ: ما كفرت منذ أسلمت، و لا غششت منذ نصحت، و لا أحببتهم منذ فارقتهم و لكني ليس لي في القوم أهل و لا عشيرة، و لي بين أظهرهم ولد و أهل فصانعتهم عليهم. أي و في لفظ قال: يا رسول اللّه لا تعجل عليّ إني كنت امرأ ملصقا: أي حليفا من قريش. و في كلام بعضهم ما يفيد أن الملصق هو الذي لا نسب له و لا دخل في حلف. قال: و لم أكن من أنفسهم، و كان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم و أهليهم بمكة، و لم يكن لي قرابة، فأحببت أن أتخذ فيهم يدا أحمي بها أهلي، أي و هي أمه.
ففي بعض الروايات: كنت غريبا في قريش، و أمي بين أظهرهم، فأردت أن يحفظوني فيها، و ما فعلت ذلك كفرا بعد إسلام، و قد علمت أن اللّه تعالى منزل بهم بأسه لا يغني عنهم كتابي شيئا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إنه قد صدقكم، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: يا رسول اللّه دعني لأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، و في لفظ قال له: قاتلك اللّه ترى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يأخذ بالأنقاب و تكتب إلى قريش تحذرهم. و في رواية: دعني أضرب عنقه، لأنه يعلم أنك يا رسول اللّه أخذت على الطريق، و أمرت أن لا ندع أحدا يمر ممن تنكره إلا رددناه انتهى.
و أقول: مراد سيدنا عمر بقوله قد نافق، أي خالف الأمر، لا أنه أخفى الكفر لقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «قد صدقكم» و رأي أن مخالفة أمره (صلى اللّه عليه و سلم) مقتضية للقتل، و لكن رواية البخاري: «إنه قد صدقكم، و لا تقولوا له إلا خيرا» و عليها يشكل قول عمر المذكور و دعاؤه عليه بقوله: قاتلك اللّه. إلا أن يقال: يجوز أن يكون قول عمر لذلك كان